التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: رانيا صالح

رانيا صالح
رانيا صالح

سؤال كثيرًا ما يتردد في عقلي ويدور بين أروقة النفس، لماذا أمسك بالقلم وأخط بضعة حروف متجاورة لأصنع كلمات وجُمل، وأسطرُا وفقرات، فأحيانًا تكون ذات معنى وأحيانًا -في نظري- بلا معنى.

نكتب لكي نعبر عن مكنونات النفس وعن أفكار تظل تطن برؤوسنا، تظل تؤلمنا حتى تخرج من محبسها لكي تتواصل مع أفكار أخرى على الجانب الآخر وتتكامل معها لأنها تخلق عالمًا موازيًا للواقع المزدحم، عالمًا من خيال بلا حدود ولا سقف. نكتب ربما لأننا نطمح لتغيير هذا الواقع للأحسن والأفضل في محاولة منا لنكون إيجابيين.. إنه الخيال الذي أريد أن أعيشه فأرسمه على الورق وأستعين بالشخصيات التي أتمنى أن تكون في الواقع المعاش، وكأني أفصل لذاتي عالمًا ذا مواصفات خاصة.

أحيانًا تكون أدمغتنا حبلى بالعديد من الأسئلة التي تنتظر وقت المخاض لتحولها لإجابات مكتملة شافية ولا يتحقق ذلك إلا من خلال الاستعانة بالقلم وكأنك تحاول ترسيم ممرات عقلك في لوحة أمام الآخرين.

حينما أكتب فكأنني أقر أن للكاتب دورًا في زيادة مساحات الجمال بالعالم ونشر المبادئ مثل الحق والخير والعدل والحب والتقليل من القبح قدر المستطاع، فالكاتب حين يشرع في الكتابة يكون النص جزءًا منه وحينما يفرغ منه يصبح جزءًا من هذا النص.

يتوحد الكاتب مع الشخصيات التي يرسم ملامحها بحروفه وتوصيفاته، فكأنما يقدم جزءًا من روحه على ورق، فهو يعتصر كل مشاعره ليقدمها لقارئه إما أن تكون سهلة الفهم جدًا وربما تستلزم التفكير العميق بها وفي أبعادها.

إن طريقة سرد الكاتب للأحداث والتي كثيرًا ما تحمل أبعادًا نفسية أخرى للشخصيات التي يبدعها الكاتب تدفع بالقارئ أحيانًا كثيرة إلى التفاعل معها،  سواء بحبه لها أو كرهه أو تعاطفه أو حتى رغبته في التشبه بها.

تستعين بالكتابة لتثبت أنك قد عشت تلك الحياة وأنك تألمت وبكيت وضحكت وشعرت بالوجع، ودونت كل هذا لكي يدرك العالم أنك مررت بتجارب مريرة وأخرى مفيدة عَلَ الآخر يستفيد منها في حياته.

فلو لم تدون تلك المعايشات من الكاتب فسوف يتعرض للانفجار، فالكتابة أحيانًا كثيرة هي وسيلة للبوح دون خجل أو مواربة فهي مساحة آمنه للإعتراف والتحرر من كل القيود على الأوراق البيضاء،  فكأنك تعري ذاتك وتكشف حقيقتك والتعبير بدون حجب عن الهواجس والأحلام والإحباطات والهموم، والأكثر من ذلك هي إخراج المكنون.

الكتابة بدورها تمثل حماية للكاتب من الجنون وتحقق له التوازن النفسي المطلوب ليكون شخصية سوية لا تصل أبدًا لحافة الإنهيار.

الكتابة هي نوع من الصداقة مع الورق والقلم أو مع شاشة الكمبيوتر ولوحة أزراره والتي أحيانًا لا تنتهي بمجرد الانتهاء من النص أو الرواية وإنما تتجدد في كل لحظة أشرع فيها في نص، فهي حالة من التوحد مع الذات وتصفية أي خلاف معها حتى تصل لمرحلة التصالح معها.

النص هو لحظات من الحكي والبوح المتدفق، فكأنها أحاديث لم يتسع الوقت لسردها مع الأقربين فأدعو لقراءتها كل من يهمه الأمر فالكتابة هنا نوع من التوثيق الإنساني والحفظ للحظات بعينها.

الكتابة حالة خاصة جدًا من الإبداع لأنك تغوص في حيوات الآخرين وتستخرج منها ما تشعر أنت به وحدك أنه يصلح للسرد، فكل الناس تعرف الكثير عن الآخرين، ولكن كم فرد يسردها ويحولها إلى لوحات إنسانية تمتلئ برتوش الوجع والفرحة والألم والطمأنينة والعشق.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. مقال من أبلغ ما قرأت في هذا الموضوع. .ويعيد القيمة والصدق والإنسانية إلى عملية الكتابة

  2. انا من المعجبين بكتاباتك ….اشعر بالطمأنينة حينما تلمس كلماتك احاسيسي وابحث عن رد فأجد القلم عاجزا عن الرد …شكرا دكتورة رانيا

  3. نعم أتفق معك يا أستاذة رانيا …صحيح جداً كل ما ذكرتى …تحياتى لكى

  4. نعم أتفق معك يا أستاذة رانيا …صحيح جداً كل ما ذكرتى …تحياتى لكى ولأبداعك ..دام رقيك