التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: دينا سليمان

دينا سليمان
دينا سليمان

لماذا نكتب؟ أكثر ثاني الأسئلة كلاسيكيةً بعد السؤال المتربع على عرش أسئلة الكاتب لنفسه… هل ماتخطه أيدينا يُعد كتابة؟

تبدأ مأساتي مع الجمل التقريرية التي  تبدأ بـ “أنا أكتب” أشعر أن أزرار الكيبورد قد انكسرت من قوة الضغط عليها دون أن تظهر على الشاشة أية أحرف، فالتركيز هنا ليس لإنتقاء الكلمات، لكن للتعجب من هذا التصريح بأن أحرفي صالحة للكتابة.

ولكن مع فرضية أنني اقتنعت بأن ما أفعله يسمى كتابة، وتخلصت من تأنيب الضمير المواز لعدم الرضا عما أكتب، وأسميت كل هذه التساؤلات.. محاولات للوصول للأفضل، سأجد نفسي أقف أمام تلك الكتابة مكتوفة الأيدي، وهي تلقي في وجهي بأثار ما كتبت وتتركني وأنا أكرر السؤال.. لماذا نكتب؟

قديمًا كانت إجابتي مُعلبة جاهزة، فأنا أكتب للاستمتاع، وبعد القديم بزمن حين أصبحت الكتابة هم وثقل على الروح والقلب والعقل، أصبحت الإجابة أكثر تعليبًا، فأنا أكتب للشفاء، فالكتابة هي علاجنا الوحيد ومرضنا الوحيد أيضًا.

وعن الكتابة كمرض، فهي لا تصيب الأسوياء أبدًا، ممن يمارسون حياتهم بصورة طبيعية، كأن يأكلون أصابع الموز ويلقون بالقشور من النافذة بكل أريحية واستقرار نفسي. ويزاحمون أنفسهم في المواصلات، لأنها طريقتهم الوحيدة للوصول.

فالكاتب وحده من يستطيع السير على قشور الموز دون أن يختل توازنه، فهو لا يمتلك أقدام، ولا يسأل السائق عن اتجاه سيره، فمهما كانت الإجابة بعيدة عن منزله فهو لايريد الوصول إلا إلى الفكرة التي انبعثت من حوارات الركاب.

ورحلتي مع الكتابة تبدأ بحكاية، فمن قلب الحكايات خلقنا، وحكايتي تبدأ بحرف الشين، وهذا ليس لأنه الحرف المكون لكلمات العشق والشغف والشيكولاته، بل لأنه الحرف الذي قهر قرينه بفارق ثلاث نقاط لصالحه.

ولمن لم يفهم مقصدي فيما كنت أواربه في سبب عشقي لحرف الشين، هو أنني لا أستطيع نطق حرف السين، أو بصورة أخرى أنطقه ثاء، البعض يقول أن تلك اللدغة “سو كيوت” وأنا أراها سجن أبدي يمنعني عن حكاياتي، عن غضبي عن فرحي، فلا أقدر أن أصيغ جملة كاملة دون أن يصحبها تعليق الـ سو كيوت.

انتصرت على حرف السين وأخوته بالكتابة، فكنت أبحث عن معان لأحساسي دون أن أنطق صريح الكلمة “احساس” وصياغة وتراكيب الجمل لتكون أبعد ما يكون عن أحرفي الضائعه.

فالكتابة لم تفتح لي أبواب الخيال والهروب، لكنها جعلتني أقف أمام الواقع، فتحت أبواب التساؤل ومنحت للشغف مكان في عالمي، بدأت الكتابة في كراسات بتجليد السلك.ـ تجليد فاخرـ  أكتب فيها وأجبر زملائي في المدرسة أن يقرأوها، فلم أكن أنتظر منهم الإعجاب، بل التساؤل.

وانتقلت من المرحلة الورقية إلى المرحلة الإلكترونية مرورًا بالمنتديات وإدمانًا للمدونات، حتى ظهور الفيسبوك والدخول من بوابته إلى عالم أوسع بكثير من كرهي لحرف السين.

أصبحت الكتابة مسئولية، ومهما كانت النوايا طيبة فلن تمنعنا من اللعنات في الجحيم، فنحن نفرغ مشاعرنا وأحلامنا ورغباتنا على الأوراق.. وتبقى اللعنة في السؤال “ماذا بعد/ لماذا نكتب/ وما الجدوى؟”

فالكتابة لهم لا تبحث عن علاج بالسرد، ولا عن الاستمتاع بالتناول، فنحن خلقنا من قلب الكلمة، فهي بدايتنا والنتيجة التي نسعى إليها، ففي الكتابة تكمن محاولاتنا لكي نكتشف أنفسنا.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد