ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: مروة الأتربي

مروة الأتربي
مروة الأتربي

بعض الأشياء هي التي تختارك قبل أن تفكر في أن يكون لك الخيرة في الأمر، أعتقد أنه إن جاء أحدهم إليْ من عدةِ أعوام وأخبرني بأنني سأكتب وأنني قد أسير في هذا الدرب، أو أنني قد أقوم بنشرِ كتبٍ ورقيةٍ تحمل على أغلفتها اسمي وبين طيَّاتها حروفًا لي.. لن أصدقه، سأخبره “أنت مجنون” وسأضحك ساخرةً منه لأنه استهزأ بي.

الكتابة هي التي اختارتني –رغم أنفي–  عندما أراجع مسار حياتي الصغيرة أكتشف أنها راودتني كثيرًا وأنا التي أبت واستعصمت، وكان العمى بقلبي لأني لم أرها جيدًا، لكنها ظلت خلفي إلى أن صرنا معًا.

حسنًا، تخرجت من الكلية، دراستي لا تمُت للكتابةِ بصلةٍ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، لم أحبها يومًا على أيةِ حال، ولي مشوار مشرف جدًا بأعوامي الأربع التي صارت خمسًا لتفوقي الشديد.

لا بأس.

بعد حصولي على شهادتي، كان عليْ أن أختار دربًا أسلكه، وما كانت الكتابة أحد أي الدروب التي كانت لتخطر على عقلي، كانت كل اتجاهاتي مختلفة تمامًا، وبعيدًا عن مجال دراستي أيضًا.

حاولت أن أشق طريقًا فيما كُنت أحب منذ زمن، لكني فشلت، أو للأدق سُدَّت الأبواب في وجهي، من كل حدبٍ وصوبٍ، سِرتُ طويلًا في دروب حتى وجدت في نهايتها حائط كبير يحول بيني وبين ما أريد.

كان عليْ أن أعي حينها أن هناكَ خطبًا ما، وأن تلك المؤامرة الكونية التي تحوم حولي لابد أن يكون لها سببًا ما، ويتوجب عليْ معرفته مهما كلفني الثمن.

حينها بدأت في الرحلة داخلي، من بدايتي لنهايتي، من طفولتي لمراهقتي لشبابي، لغضبي لسعادتي، لما يُبهجُني، كان عليَّ أن أجد منبع الشغف داخلي.

حينها فقط، استجبتُ لنداء الكتابة، الذي اكتشفت متأخرة جدًا أنني صممتُ أذني عنه لسنواتٍ طوال، وأنه كان أمامي طيلة الوقت وما كنتُ أراه، وأنه كان قريبًا بيني وبيني لكنني من استبعدتُهُ.

من هُناك كانت البداية، ومن تلك اللحظة أدركت أن هناك درب بديل يجب عليْ أن أسلكه وحدي وإن طال، سأصل يومًا ما.

أدرك جيدًا أن حياتي قبلها ليس كبعدها، وأن لها سحرًا –لا أسود– لا أبيض– لكنه يُرى ولا يُرى، الكتابة أحيانًا تجعلني بائسة بشكل مُضاعف لكن بسعادةٍ حلوةٍ، لا أدري هي معادلة لا أردي لها معنى أو مُسمى، لكنني أعتقد أنها زادتني جمالًا أحرص يومًا بعد يومٍ على اكتشافه.

أعلم أن الكتابة عند البعض جريمة كُبرى، وهي جريمة لا يحاسَب ولا يُحاسِب عليها أحد إلا الكاتب، هو من يدفع ثمن كل شيء دون أن يستاء ودون أن يكون بمقدوره أن يشكو لأحد.

أكتب لأنني أشعر أن الحروف تنتفض داخلي إن لم أخرجها، لأنني أشعر بضيق بصدري فأخرجها فأرتاح، لأن عيني التي ترتعش تثبتُ عندما أكتب، لأن روحي الوحيدة تأنس عندما أكتب أو أنها تجعلني وحيدة بشكلٍ أفضل.

لأنني أشعر أن أحجارًا تتراكم حول قدمي وقيودًا حول عنقي ويزول كل شيء.. عندما أكتب.

لأن حياتي صغيرة، وقصيرة مثلي، وحيدة وشريدة مثلي، لأن بالكتابة حياتي تكبُر وتطول قامتي ولا أصبح وحيدة  أبدًا.

الكتابة الآن هي لعنتي، التي لا أودها أن تفارقني، وإن فعلت أحيانًا، أستاء ويظل وجهي أسودًا حتى تعود.

كلما كبرتُ استفحلت، أشعر بها تتضخم أحيانًا داخلي، أشعر بها تنبض، أشعر بها  تفيض أحيانًا، أحيانًا أخرى تنحس، أحيانًا تسكُن تمامًا.. أحيانًا تغضب، أحيانًا تثور، أحيانًا تتأثر بالقمرِ.. أحيانًا بالشمس.

هي مأساتي التي أحب.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى