التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: معتز عبد الرحمن

معتز عبد الرحمن
معتز عبد الرحمن

لطالما نشكو من تحول الوسائل إلى غايات مع الوقت، ولكن مع الكتابة كان لي شأن آخر.

بدأت الكتابة مع بداية تعلمي لها، نعم في بدايات الإبتدائية حتى أنني أعددت مجلة كاملة وحدي في الصف الثالث الإبتدائي، مجموعة من الأوراق تحوي كلامًا مكتوبًا بخط سيء جدًا حول موضوعات مختلفة لم تقرأها سوى أسرتي، لكنها كانت محاولة.

وظللت سنوات طويلة بعد ذلك الحين أكتب فقط لأنني أحب أن أكتب، كمن يحب الصيد أو السباحة أو جمع الطوابع البريدية، كنت -على خلاف أكثر زملائي- أحب حصة التعبير جدًا، لأنها الحصة الوحيدة التي تتحول فيها هوايتي وغايتي إلى دراسة ودرجات، لم أتخلى أبدًا عن التجديد في كتابة أي موضوع تعبير حتى في قلب امتحانات الثانوية العامة، فالأمر أشرف عندي من أن أبتذله في موضوع محفوظ ممجوج بتقسيم روتيني يضمن لي الدرجات ولا يحقق لي المتعة الذهنية والنفسية التي أحققها مع كتابة كل سطر، حذرني أساتذتي كثيرًا من تلك المجازفة والتحرر من القواعد الإمتحانية، ولكن الأمر عندي لا يقبل الإستثناء، لن أضحي بمتعتي ولو لدقائق أثناء إمتحان مصيري.

ورغم هذا الإرتباط الوثيق نجحت الدراسة الجامعية في كلية الهندسة في الحد من هذا الإنطلاق بتحجيمها للوقت المتاح ومساحة الذهن الصافية، وبدأ الجانب العملي للدراسة يترك آثاره في عقليتي، لم تفن طاقة الكتابة وحبها ولكن تحولت إلى صورة أخرى، وبدأت تنزل الكتابة تدريجيًا من عرش الغاية لتجلس بشموخ وتواضع في آن واحد بين عوام الوسائل، وإن بقيت سيدتهم على الإطلاق، أكتب للحاجة ولتوصيل معنى ضروري ولتوصيل رسالة مطلوبة ومعالجة مشكلة مطروحة، ولكن وكأني أتصيد الفرصة لأكتب وأكتب بشغف، وامتدت هذه المرحلة حتى وقت قريب، مع تزايد في معدل وكم ما أكتب بسبب زيادة المعاني والرسائل والمشاكل المطروحة والتي تحتاج إلى معالجة، فيبدو للناظر الذي يعرفني منذ الطفولة أن غائية الكتابة عندي أشد من أي وقت مضى ولكن الحقيقة خلاف ذلك، وأن كل ما في الأمر أن متطلبات الواقع زادت من احتياجي إلى استخدام تلك الوسيلة لا أكثر، مع استمرار استمتاعي وعشقي لها بالطبع وترأسها لسائر الوسائل الأخرى واستئثارها بقلبي وعاطفتي.

ولما كان هذا الوقت القريب الذي امتدت له المرحلة السابقة، بدأت الكتابة للأسف تفقد قدرًا جديدًا من قدرتها على إسعادي، فبعد أن كانت غاية في ذاتها، ثم الوسيلة الأوفر حظًا التي أُهرول إليها مع أقل داع، ضاقت هذه الدائرة أكثر حتى صارت الكتابة في بعض الأحيان نوعًا من أداء الواجب نحو القارئ والمجتمع، لقد سئمت الكلام بعد سنوات مشحونة به، وللأسف الكتابة في النهاية نوع من الكلام، كما أن تحول الكتابة إلى وسيلة محضة -وإن كانت مفضلة محبوبة- جعلني لا أكرر الكتابة عادة في الموضوع الواحد، ولأن الواقع متكرر والأحداث تتشابه فكثيرا ما أكتفي بنشر ما كتبته من قبل في نفس الصدد مع تعديل بسيط إن كان هناك حاجة للتعديل ، أو نشر ما يكتبه غيري إن كان وافيًا ولا أجد معنى ولا رغبة ملحة في إعادة صياغة نفس المعنى بأسلوبي طالما أن الرسالة قد وصلت.

ورغم أن النهاية تبدو كئيبة، لا تعجب الكثير من الكتاب، ولكنها تعجبني، فنزول الكتابة من مرتبة الغاية والهواية إلى مرتبة الوسيلة وإن كان يقلل الإنتاج الفكري وربما الإمتاع الأدبي ولكنه يزيد المنتج الفكري عمقًا وإجادةً وسهولةً في آن واحد وربما يسهل مهمة إخلاص النية فيه، وكما أن للإجادة والإخلاص أهمية قصوى في تحصيل أجر الآخرة ولكنهما في نفس الوقت جسر يسهل وصول المحتوى إلى وجدان القارئ في الدنيا، وكلا الأمرين “الأجر والوصول للقارئ” هما الغاية الحقيقية.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى