التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: منتصر أمين

منتصر أمين
منتصر أمين

فِعلٌ لإِثْـبَات الوجود، أَمْ سَعيٌ وَرَاء الخلود..

لماذا يكتب الإنسان؟؟.. هل يكتب فقط لإثبات ذاته ووجوده؟.. هل يكتب طمعًا في الشهرة والمال؟.. هل يكتب سعيًا وراء نقش اسمه في سجل الخالدين؟.. أسئلةٌ عديدة حائرة، كثيرًا ما يتردد صداها في الأذهان دون إجابة قاطعة..

الحق في ظني أن الكتابة شكلٌ من أشكال الإيمان.. لكنه ليس إيمانًا شكليًا فقط، بل إيمانًا صادقًا تتفجر براكينه من أعماق النفس البشرية.. فحياة المرء رحلة -طالت أم قصرت- تنحصر بين نقطتين، الميلاد والموت.. والإنسان منذ بدء الخليقة يسعى إلى الإنتصار على الموت.. سواء كان ذلك عن طريق الإعتقاد بحياة أخرى أبدية لا تعب فيها ولا نصب بعد فناء جسده، أو الإيمان بأعمال عظيمة تضيف إلى الإنسانية فتخلدها ذاكرة البشر.. لذا فالكاتب ماهو إلا رَسول أو مُبَشِّر.. لكنه ليس مُبَشِّرًا بنفسه (وإلا ضل الطريق)، بل مُبَشِّرًا بفكرة يؤمن ويصدق أن فيها الحقيقة والمعرفة.. أن فيها خلاص الإنسانية..

ففعل الكتابة هو الوسيلة التي اكتشفها الأقدمون لنقل المعرفة عبر الأجيال المتعاقبة.. إذًا فالكتابة هي محاولة للخلود، وأنا لا أشك مطلقًا في أن الكتابة أتت من خشية الموت.. فنحن نريد للحقيقة أن تبقى وتخلد..

ولكن، عن أي حقيقة نتحدث؟..

يقودنا هذا التساؤل للبحث حول ماهية الأشياء التي تستحق أن يُكتب عنها؟.. بمعنى أكثر وضوحًا هل نكتب ما يريده القراء أم نكتب ما نريده نحن؟..

إذا كنا قد توصلنا إلى قاعدة مؤداها أن الكتابة رسالة، فإن المنطق يحتم علينا أن تكون هذه الرسالة متعلقة بشخص الرسول.. لذا يجب أن تكون كتاباتك نابعة منك أنت، من قناعاتك الشخصية، من إيمانك وصدقك الداخلي.. لا تكتب أبدًا ما يريده القراء.. لا تجبر نفسك على الكتابة إن لم يأتك الإلهام أو يتلبسك شيطان الكتابة.. ركز على الفكرة التي ترغب في توصيلها لأتباعك ومريديك.. كن صادقًا مع نفسك مؤمنًا بأفكارك تصل كلماتك وتسكن في وجدان القراء..

ليس معنى ذلك ألا تهتم بتعلم أصول وفنيات صنعة الكتابة.. فالكتابة مثلها مثل أي صنعة لها أصول وفنيات متعددة.. يتعين على من يتصدى لهذا الفن أن يكون مُلمُا بها، عالمًا بأحوالها وسابرًا لأغوارها.. لكن لا يعني ذلك أن تكون مولعًا بجماليات اللغة وزخرفتها على حساب الفكرة والمضمون..

إعلم أنك مجرد رسول لهذه الفكرة.. مجرد خادم لها.. وليكن ميزانك الصارم الذي لا يخطئ أبدًا ما بين دفتين لا ثالث لهما (ماذا بعد؟، لماذا؟).. فالكاتب الحقيقي هو من يثير التساؤلات في أذهان القراء وينير من عقولهم المناطق الأكثر إعتامًا.. فإذا كان نصك الأدبي يقوم فقط على الحكي بحيث تكون غاية القارئ منحصرة في السؤال “ماذا بعد؟” فهذا عمل كتب وصنع للمتعة فقط -مع عدم إعتراضي على ذلك- ولكن إذا كان شغف القارئ قد تحول إلى السؤال “لماذا؟” وبدأ يفكر ويبحث عن الدوافع ويحلل أسباب الصراع الذي صنعته بقلمك.. فاعلم أنك قد كتبت عملاً لن يُعف أثره من بعدك..

فإذا كنت مؤمنًا بأفكارك، صادقًا فيما يسطر قلمك، مُلمًا بأصول صنعة الكتابة.. متى راودتك فكرةً ما، ثم تحولت هذه الفكرة إلى هاجس يسيطر عليك، ثم مع الوقت إستحوذت على كل ذرة من كيانك.. فابدأ بكتابتها..

قد لا تكون في البداية موقنًا بأن هذه الفكرة سوف تنتهي كما ينبغي.. لكن مع بذل الجهد اللازم ومع الكثير من الصبر والمثابرة، فحين تنتهي من كتابتها ستجد أنك قد كتبت عملاً سيبقى في الذاكرة طويلاً..

دمتم مبدعين..

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات