التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: يامي أحمد

يامي أحمد
يامي أحمد

الكتابة هي نافذة منسية تطل على مكب نفايات خلف سور المنزل، أستخدمها لأتخلص من تراكم القمامة في داخلي، وأعتذر على قسوة التشبيه لكن ما لم أكتب سيتعفن جسدي.

لا أستطيع تشبيه السخط والقهر بشذى الزهور، ولا يمكنني أن أكون فيسبوكي المشاعر وأضغط “لايك” على صورة شهيد أو فقير، كذلك الكتابة.

إذًا حاجتي للكتابة ضرورة ملحة، لا يمكن أن أختزلها بكلمات كالبوح والتسلية والهروب، هي أقرب ما يكمن للشعور الثوري بالمعاني السامية.

لماذا أكتب؟ ذلك السؤال من أصعب الأسئلة التي توجه لكاتب لا يحب الكتابة، لأن السؤال في هذه الحال يشبه ناقوس يدق مذكرًا بكل الدوافع الساخطة والمؤلمة التي آلت إلى نفسه ليصبح كاتب.

أنا لم أحب الكتابة يومًا، لكن الهيمنة الإعلامية على الصورة المزيفة لمشاعر الناس وجراحهم هي ما دفعتني بشكل شخصي للكتابة، يمتقع وجهي كلما شاهدت التلفاز يروج أن الشعب الفلسطيني يسبح بحمد الدم، أو بمعنى آخر اعتاد على الألم وتم تسويق هذه الصورة الفاضحة للعالم على أنها صمود.

أنا هنا أكتب لأفضح الفضيحة، ولأتكلم عن سكوت الناس الصارخ، وأكشف الصور الحقيقة عن مشاعر الفلسطيني الذي يحلم ككل الناس بالحب وبالحرية والسلام، والفلسطيني الذي يريد أن يصنع التاريخ، ولا أقصد بالتاريخ هنا القضايا المتعلقة بالدم، بل المتعلقة بالحداثة والفن والأدب والموسيقى والسينما.

أكتب لأني أشعر أن تجربتي في الكتابة هي ضرورة ملحة حتى لا تتزايد أصوات المضللين، ولأن صوت من يعرف يجب أن يدحض صوت الجاهل، لأن الجاهل في هذه الحالة سيشوه الكثير من المفاهيم الجميلة والتي ستغدو مع الوقت تحمل معانٍ قاسية بعيدة عن جوهرها الحقيقي، ولأن المجتمع الذي بُعثت منه مليء بتلك التشوهات والمتاجرات العبثية بأرواح الناس.

ولأن سكوت الناس وأنا منهم عن ذلك يسمح بنمو وتنامي الفكر المتطرف الذي يأخذنا إلى ظلام أشد من العصور الوسطى.

ومن هذا المنطلق كانت تجربتي في رواية يوسف يا مريم والتي وثقت فيها بعض المواقف الذي تعرضت لها، والمثير للسخرية أن تلك الآلام التي جسدها في الرواية والتي كانت حقيقة تعرضت لها، هي أكثر الفقرات التي تعرضت لنقد واتُهمت باللاواقعية، وهذا ما حفزني أكثر للكتابة ولفضح تلك الفجوة الكبيرة ما بين الواقع الفلسطيني وما بين ما يسوق له عالمنا الميتافيزيقي.

كررت التجربة الكتابة مرة أخرى في رواية حديثك يشبهني والتي اعتبرها البعض أنضج من يوسف يا مريم وكان فارق سنة بينها وبين الرواية الأولى وأصبح القراء مع قربهم وبحثهم عن الواقع أقرب للواقع، فقد لامستهم الأجزاء الواقعية بشكل كبير والذي شكل لدي رغبة عارمة في الكتابة أكثر عن كل تلك الفجوات المكبوتة خلف سياج الاعلام.

وأكثر ما يؤلمني في الكتابة، أني لا أستطيع أن أمارسها بحرية مثلما أمارسها في الغربة، وهذا دافع كبير داخلي لأفجر هذا القهر الشخصي والرغبة بالانتقام من سطوة الظلم الذي عانيت ويعاني منها معظم الفلسطينيين.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد