التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتملفات

أحمد شاكر: لماذا نكتب؟

كتب: أحمد شاكر

أحمد شاكر
أحمد شاكر

حقيقةً لا أعرف، لماذا أكتب؟ حقيقة لا أفكر كثيرًا أو قليلًا في الأمر. إنه لا يعنيني في شيء. في أي شيء. كل ما يشغلني؛ كيف لي أن أقول شيئًا جديدًا؟ كيف لي أن أقول شيئًا عاديًا جدًّا لكن بطريقة مبتكرة، وجديدة؟ وكأن الكتابة أصبحت، بالنسبة لي، شيئًا مسلمًا به، وفعلًا طبيعيًا جدًّا.

هل أبالغ عندما أقول ذلك؟

ربما..

لماذا أكتب؟ سؤال يشبه من الأسئلة: لماذا آكل؟ ولماذا أشرب؟ ولماذا أنام؟ ولماذا أتنفس؟..

لو جاز لي أن أسأل نفسي تلك الأسئلة، فالإجابة ستكون: الحاجة. نعم الحاجة. أكتب لحاجتي إلى الكتابة. مثل حاجتي إلى الأكل، والشرب، والنوم، والتنفس.. لأبقى حيًّا. لأعيش..

لذا فأنا أكتب كل يوم، وطوال الوقت. أكتب يوميات، وتعليقات على الأحداث، وآراء حول الكتب، وشذرات. أكتب قصصًا قصيرة، وقصائد أحيانا، وأدون خططًا لمشاريع كتابة. أتنفس الكلمات كما أتنفس الهواء. وأهضمها كما أهضم الطعام. أجدني مدفوعًا نحوها دفعًا، “أحيانًا، عندما يحدث للواحد منا، انخفاض في ضغط الدم، تجده، لا إراديًا، يميل إلى الأكل المالح، ليوازن هذا الإنخفاض”. إنها الحاجة..

إني، بالكتابة أعوض عدم قدرتي على الإبانة شفهيًا. فأنا لا أكمل فكرة في حوار ما أو حديث. كل كلامي مقتضب، أو مبتور. أفكر كثيرًا قبل أن أنطق. أبحث في قاموسي الخاص عن الكلمة التي تلائم الحالة، أو الموقف. فأسكت، وأتلعثم؛ أفرش في ذهني الكلمات لأنتقي منها. ودائمًا أظنني أبنت أو قلت، لكني في الحقيقة لم أقل، والطرف الآخر/ المرسل إليه لم يستوعب، ولم يفهم..

هل لي أن أعد هذا دافعًا للكتابة. تعويضًا من ناحية أخرى؟

ربما..

مرة.. أو ذات مرة “لا أعرف كيف حضرت هذه القصة الآن”، أمسكت بالقلم، مدفوعًا بطاقة شعورية عارمة، قد يكون إلهامًا، لا أعرف، وعلى ظهر ورق الرُّوزنامة، الذي أخذت أنزعه ورقة ورقة، دونت أكثر من مائتي شذرة، في وقت قياسي جدًّا. كنت لا أرفع عيني وأنا أكتب لأتلقف كلمة من هنا، أو كلمة من هناك. الكلمات حاضرة، ومتدفقة. الحالة الشعورية طاغية. والورق المستطيلي المحدود يمدني بالفضاء اللازم للكتابة/للنص. ولا أحد معي في البيت. وبعد أن فرغت، أخذت نفسًا عميقًا ونمت. نمت هادئًا. “كنت أكتب طبعًا وأنا قاعد فوق السرير”. وفي الصباح كان مزاجي أفضل. شعرت بذلك. وبعد محاولات مع الذاكرة، توصلت إلى آخر شيء فعلته قبل النوم. فعدت للورق الذي كان قد تكوم أسفل قدمي مع الملاءة، فخلصته، ورتبته مستعينًا بترتيب الأيام في ظهر الورق. وتحصلت على نصوص، لولا أني أعرف خطي، تمامًا، لشككت، في نسبتها لي.

في مدخل كتابه، الأدب في خطر، قال “تزفيتان تودوروف”: مهما أوغلت في الصعود بذكرياتي، أراني تحيط بي الكتب. وأنا أيضًا. منذ أن وعيت والكتب تحيط بي من كل ناحية، ومازالت. فهل كنت راغبًا، يومًا، في أن أرى كتابًا لي محشورًا في أحد أرفف مكتبتي، أو مكتبة أبي. إني أحاول استنطاق لا واعي الآن، فربما توصلت لجواب على هذا السؤال؛ لماذا أكتب؟ وبالفعل قمت لأبحث عن نسخة من كتاب لي ولم أجد.

يبدو أن تلك الفرضية ليست على قدر كبير من الصحة.

الآن.. الآن حضرني الجواب. أحسبه فعلًا قد حضر. جواب مراوغ قليلا؛  أكتب لأمرّن نفسي على شيء أفعله في الشيخوخة. عندما لا أجد سوى الفراغ والمرض، عندما يخيم الصمت على أرجاء البيت ويسكن جنباته. عندما لا أجد سوى بقايا نفسي والكتب. تلك المرحلة التي تشغلني من الآن، وقبل الآن “رغم أني في التاسعة والعشرين”. إنه هاجس.. إنها الحاجة..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

زر الذهاب إلى الأعلى