التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذ نكتب؟

كتب: سمير حمدي قنبر

سمير حمدي
سمير حمدي

أكتب مُدعيًا أن لي فلسفة بسيطة حول كيان الإنسان من الداخل في محاولة لإبراز غرائز إنسانية تدفع الإنسان للإتيان بأفعال تؤثر على شعوب وأمم كاملة.

وليس بالضرورة أن تكون ثورتي الخاصة متمثلة في الإعتصام بجسدي ورفع صوتي بمطالبي، وإنما أقسى الثورات هي ثورة داخلية ذاتية تنبع من عمق الأنا الشخصية للتعبير عن ما يدور ويثقل كاهلي.

تشغلُني أحداث وتطورات اجتماعية وسياسية وحياتية، شئت أم أبيت هي تؤثر على حياتي الخاصة وأيامي المتسللة من بين أصابع الزمن.

قالوا قديمًا: “إن الصمت أحيانًا أبلغ من سطور وكلمات”، هكذا الإنسان كلما نظر في مرآته يجد وجهه في كل يوم يتغير ويتبدل بفعل مرور الساعات والدقائق والأحداث التي تتوالى على العقل لتشكل في كل يوم وجه لها، ومن قلب الوجوم أو العادية أو الفرح والسرور تنبت مشاعر وأحاسيس تجد لنفسها متسع للخروج من خلال قلم، وترسم كلمات على ورق وتتشكل أفكار وشخصيات وأزمان وأحلام وغالبًا طموحات، يخطها صاحب المشاعر بيديه دون شعور محسوس وإنما تطوف روحه وهواجسه حول عينيه ويده لتوجه أصابعه فترسم الكلمات كما هو الإحساس.

“السعادة “ما هي؟ لكل إنسان منظور وفهم وإدراك لماهية الكلمة وكيفية الشعور والتلذذ بها، ومن أجل هذه اللذة يظل الإنسان في دوامات بحث دون استقرار، ومن داخل تلك اللذة جزء ينتشي به كامل الإنسان، جزء غير مدرك وإنما سعادة غامرة داخلية تلف الكيان وتحتويه عند خط كلمة النهاية لكتاب ما، تلك سعادتي الخاصة ومتعتي الكبرى “الكتابة”.

من أجل إحساس وطاقة كامنة تخمد في الظاهر وتتقد في الداخل من جراء فقد من خرجت من رحمها، رواية كتبت فيها فصلين ليس أكثر ولا أستطيع الكتابة عنها إلا كلما داهمني الإحساس وطغى على عيني فتدمع، غريزة البنوة لدي والتي أفتقدها، ترى هل أبحث عن سعادة في أحضانها مهما تقدمت بي السنين وصرت رجلاً ورب أسرة؟

عن ماهية السعادة وفقد الأحباء دافع أيقظ شغف كامل بذاتي ودفعني لتخريج رؤيتي ومنظوري للإنسان من الداخل، شغف تطور ليصبح هو الحياة لنفسي، الكتابة روح الأيام وبهجتها، تحليل غرائز تدفع الإنسان للقيام بفعل أتأثر به، فيحدثني عقلي ويطلق كلماته داخلي، لماذا يقتل هذا؟ لمن يجمع المال ذاك؟ لماذا يقسو الإنسان على أخيه الإنسان والدببة في الغابات تحتضن أبناءها؟

ألم يعرف الإنسان أن الوحوش تصيب فرائسها وتتركها حية حتى تُقدم صغارها على إنهائها في مثال حي للتنوير والتعليم والإدراك.

لماذا يُجهل الإنسان أخيه؟ لماذا يُظلم الإنسان وعي أخيه الإنسان؟ بحثًا عن الملك أم عن التحكم بالنفوس ومحاولة اتخاذ شكل الرب المُؤله؟! غريزة تحتاج لأقلام كثيرة لكشف مزاعمها وأغراضها، تحتاج لملايين الصفحات البيضاء تسود بكلمات تنبه وتوضح، ليرتقي الإنسان إلى كامل إنسانيته.

كتبت بحثًا عن مفهوم شعور افتقدته، ولماذا اخترت أنا لأفتقده؟ وأكتب بحثًا عن إنسانيتي وآدميتي ومجتمعي الذي أحيا داخله، حق إنسانيتي علي يفرض علي بواطني ويُلح أن أجتهد، أن أرفض النوم، أن أستمتع بكل كلمه أكتبها، أن أشعر أني إنسان عندما أكتب لطرح وجه نظري ورؤيتي ومفهومي، سبق أجيالنا أجيال تعملق منها البعض بطرح نظرياته وفلسفته التي غيرت وأنارت الطريق للإنسان فأجّله الإنسان وارتفع بشخصه احترامًا ورفعة لسعيه للتنوير من خلال الكتابة، لسعيه طرح ما اكتشفه وتوصل إليه حتى يستفيد به غيره من الإنسان، وضمت الصفحات الكثيرات أراء عن أعظم الكُتاب يؤكدون أنهم كتبوا مجلدات ولو لم يستفد منها سوى إنسان واحد، فتكون بذلك قد أتت الكتابة ثمارها المرجوة.

فكثيرًا من البشر فقدوا إنسانيتهم ولخصوا حياتهم على أنفسهم ونسوا أن “الإنسان لأخيه الإنسان اكتمال وليس استعباد أو امتهان”.

ترى ما هي نظرة طفل لم يبلغ العاشرة للحياة إذا ما أخذ منه أبيه أو أمه؟ ترى هل سيكون إنسان كأي إنسان؟ ليس أمام روحه إلا طريقين: الأول إبراز غرائزه الناقمة على باقي الإنسان والثاني تصريف مشاعره في إبداع ما، ينتج ويبرز من آلام معاناته، وإذا لم يجد هادي أو سراج وضاء، فسينزوي خلف غرائز كامنة داخل نفسه تتجرد مثل أفعال الحيوان إذا لم تهذب، من أجل ذلك التهذيب كانت الكتابة بكل ألوانها الإبداعية لتهذيب الإنسان حتى يبقى دائمًا إنسان فأول ما يهذب الكاتب، يهذب روحه ويرتقي بها.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد