التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: محمد الصفتي

محمد الصفتي
محمد الصفتي

كنت أسأل نفسي دائمًا عن البدايات فلا أحار جوابًا، هي كالنجوم التي تتلألأ في سماء طفولتك، تأنس بها في الليالي الساهرة ولا تدري متى ولدت ولا متى استوطنت تلك البقعة بالذات من سمائك ولِمَ؟. متى أحببت القراءة؟ متى صرتُ أستوحش الاستئناس بالرفاق؟ متى صارت أوراق صامتة خشنة الملمس نسماتٍ تلطّف أمسياتي الأثيرة مستلقيًا على فراشي بينا الرفاق يتشاجرون في الطرقات أيّهم أحرز هدفًا؟

تأتي البدايات ناعمةً متسلّلةً لتغزوك رويدًا رويدًا فتجد نفسك وقد صرت أنت آخر لم تكن تدري أنّك ستكونه.. نشأت في بيتٍ هادىء لا يتسلّط فيه الوالدان على كلّ لحظات حياتك، فيغرقونك في سيلٍ من الدروس الخصوصيّة والتدريبات البدنية المنهكة بدعوى أنّهم يبغونك الأفضل فإذا بهم يطفئون روحك ويغلقون مسام وجدانك ويجهزون على كل بارقة نورٍ في أن تصير أنت. أدين لوالداي بفضلٍ لا يكافئه عرفان في أن أكون أنا حتى وإن لم أحقّق كل ما صبوت إليه منذ طفولتي.

تلقفني أخي الأكبر خالد الصفتي الذي يسبغ الكثيرون عليه لقب معلم الأجيال، والذي منحني القدر مكانةً خاصّةً بأن يكون أخي، ليرشدني برفق إلى أن أتخذه قدوةً فأبحث عن المعرفة بالاستمتاع أينما وجدت، فقط أحببت القراءة، صرت صائد فراشاتٍ أهيم خلفها في أي بستانٍ وجدت ولا أسأل أين أنا، تارةً ألتمس المتعة بالتعبّد في قراءة جميل أي القرآن في سورة يوسف فأحفظها عن ظهر قلب، وتارةً أغرق في حالةٍ من الابتسام الدائم المشوب بالحماس بين طيات “نائب عزرائيل” و”أرض النفاق” ليوسف السباعي، لا أستنكف أن تصير جُلّ قراءاتي لنبيل فاروق وأحمد خالد توفيق، ولا يمنعني ذلك من استراق قراءة “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ دون وجل من أن يتهمني رفاق زمن المد الوهابي بالكفر.

تشكّل وجداني دون أن أدري متى ولا كيف فوجدتني أكتب، دونما إرادةً مني وجدت أبيات الشعر تنساب مني متأثرةً بعوالم فاروق جويدة وصلاح جاهين وفؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم وجمال بخيت وغيرهم، لم أخش من لوم النفس عندما كنت ألفظ كتابات لمن يُعَدّون من عظماء القلم، كنت موقنًا ومازلت بأنّ افتقاد المتعة في القراءة لن يفضي بك لشيء.

تتابعت محاولاتي المُرضية أحيانًا والمبتذلة أحيانًا أخرى في كتابة الشعر، صارعت مع أحلام اليقظة لأحاكي عوالم من أقرؤهم فأصنع أبطالًا من وهم ولا أكمل صفحاتٍ معدودة لأهدم ما بنيت بضحكةٍ ساخرةً وانا أردّد “بلاش لعب عيال”!! صرت أُحجِمُ أكثر مما أهجِم، وابتلعتني دوامة الحياة دون مقاومةٍ تُذكر من جانبي حتى أنّني توقفت لزمنٍ غير قليل حتى عن القراءة.

ثمّ عادت الفراشات لتجتذبني بروعة ألوانها ورشيق حركاتها فعُدت! نهضت تلك البدايات التي ظلّت كامنةً في أعماقي تُعِدّ نفسها لاقتحامٍ جديد كعنقاء وسط رماد روحي التي كادت تحترق في دوامة النار تلك المسمّاة بالحياة فاستيقظت!

لم يكن السؤال تلك الكرّة هو متى وكيف تأتي البدايات، ولكن كيف لا أكتب؟ يمنحنا الله بصائر لنستنير بها ولا نضِلّ في مسارات الحياة المتقاطعة، ويمنحنا كذلك طاقات نورٍ تثقل كواهلنا بمسؤوليةٍ أمامه إذا لم نتح لها فرجاتٍ قد تنير الطريق لآخرين. تتكاثف بداخلنا أحيانًا تجارب وطاقاتٍ وهباتٍ مُنحناها وتظلّ متأهبةً في انتظار أن نطلقها زخّات روحٍ تروي من تتعطّش أرواحهم لما يطفىء ظمأها للمعرفة والاستمتاع.

لا أزعم أنّني قد صرتُ كاتبًا مؤثرًا، ولكنّني في لحظةٍ فارقةٍ لم أستطع أن أقاوم أكثر، سأُسأل يومًا عمّا وُهِبتُ إيّاه من طاقات نورٍ احتبست طويلًا في أعماقي، وسأُسألُ عن سويعاتٍ من المتعة المحتملة لآخرين إذا ما أهدرتها هباءً فلم تصل إلى كائنٍ كان.

س: لماذا نكتب؟

ج: الكتابة فعل خيرٍ لمن استطاع إليه سبيلًا فلا تحبسوها.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد