التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: محمد مجدي

محمد مجدي
محمد مجدي

رغم أن الكتابة عمل مُجهد بإجماع أراء جميع الكُتَّاب بلا استثناء، إلا أنها تحتوي على متعة وهروب. متعة أن أرى الكلمات تتراص أمامي على الشاشة، مكونة جملاً وشخصيات وأحاديث ووصف وسرد لأحداث أختلقها كيفما أشاء، وهروبًا من أفكاري الشخصية، تلك الأفكار التي سأهلك إن تركتها بداخلي ولم أجد لها مخرجًا، والكتابة هي أحد هذه المخارج.

كلما كتبت أكثر، كلما زاد سلامي النفسي وشعرت أن هناك أملاً في ألا أفقد عقلي.. وسط المآسي الإنسانية التي إن قررت إكمال حياتك في هذا البلد فلا بد أن تتعرض لها، أحيانًا سيمكنك المساعدة، وأحيانًا أخرى كثيرة، ستأخذ موقف المشاهد الذي يردد حسبنا الله ونعم الوكيل، وقتها ستكون الكتابة هي السبيل الوحيد لإفراغ الغضب الكامن بداخلك، والشعور بخدر لذيذ يجتاح عقلك، ويريحك منأفكارك السوداء.

على عكس ما يعتقد الكثير من الناس، عندما أكتب لا أجلس أمام جهاز الكمبيوتر أو الآلة الكاتبة، وسط دخان السجائر الكثيف وفناجين القهوة السوداء، منتظراً أن يأتي الإلهام من السماء. الكتابة هي بحث مستمر، طوال اليوم صباحًا ومساءً، أقوم بتخزين جميع المواقف المثيرة للإهتمام التي تصادفني، ناهيك عن الأشخاص غريبي الأطوار والمعلومات التي تذكر أمامي، الكتابة هي فعل دائم يتطلب كل وقتك، وليست وظيفة بدوام معين ينتهي بعد عدد ساعات معينة. وجلسة الكتابة نفسها، ليست فناجين قهوة وتحديق إلى السقف في محاولة للإمساك بما يسمى الإلهام، عندما أجلس للكتابة لابد أن يكون هناك قاموس ورقي أو إلكتروني بجانبي، ليمكنني من البحث عن أكثر من مرادف للكلمة الواحدة والمعنى الواحد، حتى أتفادى استخدام نفس الكلمة في فقرة واحدة فأضعف المعنى والجملة. ويجب أن يكون هناك ملفًا لكل شخصية في الرواية، كل ما تحبه وتكرهه، دورها في الرواية، وعلاقتها بباقي الشخصيات، حتى تتصرف الشخصية من بداية الرواية حتى آخرها بنفس الطريقة. ولابد أيضًا أن يكون الملف الذي يحتوي على أحداث الرواية مكتملاً، لا أبدأ في الكتابة وأنا لا أعرف ما ستؤول إليه الأحداث، حتى لا أحاصر في النهاية أو في المنتصف، وأضطر لكتابة نهاية غير مرضية.. فقط حتى تتناسب مع ما حدث سابقًا. وهذا ما يحدث أحيانًا لكثير من الكتاب المبتدئين، تلتهب عقولهم حماسةً لفكرة معينة، فيبدؤون بالكتابة عنها وخلق شخصيات وأحداث حولها، ولكن بعد بضعة فصول، يشعرون أنهم تائهون، ولا يعرفون كيفية الاستمرار وإنهاء ما بدؤوه.

عندما أجلس للكتابة لابد أن يكون هناك ما أود أن أكتبه، قصة قمت بإختلاقها وأعجبتني، شخصيات غريبة ومثيرة للإهتمام، مشاكل أود عرضها، موضوع أود تناوله، الكتابة من أجل الشهرة أو لحمل لقب كاتب، هي قصيرة الأجل ومصيرها إلى الزوال.

أكثر الأشياء التي أحب أن أكتب عنها، هي الأشياء التي أحبها، معظم شخصيات رواياتي تحمل الكثير من صفاتي الشخصية، مثل الروايات التي يقرؤونها، طريقة شربهم للقهوة أو الشاي، أفلامهم المفضلة، طريقة ملابسهم، خلفياتهم الإجتماعية وعائلاتهم، عندما أكتب عما أحب أشعر أن الكتابة سلسة وجميلة، أعيد قراءة ما كتبته فأشعر بحلاوة في روحي وسكينة. أما عندما أحاول اختلاق شخصيات وأماكن لم أتعامل معها من قبل، تأخذ مني الفقرات وقتًا طويلاً، وفي النهاية عندما أعاود القراءة، ينتابني إحباط وكأنني أقرأ لشخص آخر.

اثنان من الكتاب أثروا بطريقتي في الكتابة وكيفية تناولي لمواضيع رواياتي، الأول هو الأمريكي “إرنست همينجواي”، لما كابده في حياته والتضحيات التي بذلها في سبيل الكتابة، بداية من ترك وطنه والذهاب للعيش بباريس، انتهاءً بالعمل كمصارع هاوٍ للثيران بإسبانيا حتى يكتب رواية عن هذه الرياضة الخطرة. الثاني هو الياباني “هاروكي موراكامي”، لأنه الكاتب الأكثر صدقًا مع نفسه وقرائه، جميع شخصيات رواياته تحب القطط والموسيقى والعزلة، وهذه هي شخصية الكاتب الحقيقية، لذلك تشعر أن شخصياته واقعية ويمكنك لمسها.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى