التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الغواية في أيام راحت وحكايا مستمرة

 

كتبت: عزة سلطان

 

الحكاية عالم يسرق الأذن، فى مجتمع ورث من تاريخه ثقافة الاستماع عبر شعراء نسجوا تاريخ الأدب فى المنطقة العربية، فملكت الحكاية وفنونها هذا الإرث لتحتل مكانة بارزة لدي المتلقي،  بوعي وربما بكثير من التلقائية يكتب هشام يحيى كتابه الأول “قبض الريح.. أيام وراحت” الصادر عن دار روافد مع بداية عام 2014.

تأتي حكايات هشام يحيى بالعامية المصرية الفصيحة، تلك التي تربى عليها الوعي العربي، فباتت سهلة تُعطي روحها بسهولة للقارئ العربي، ولا تحتكر القطر المصري كمتلقي وحيد.

يفتح المؤلف خزائن الأسرار، دون أن يقع في فخ النميمة، وبث بذور الشائعات عبر خمس وعشرين حكاية، انتقلت بسلاسة مدهشة بين العام والخاص، بين كواليس الصحافة والوسط الفني، لتكشف عن بذر بذور التراجع المجتمعي في مصر عبر شواهد محكية، يبقي فيها المؤلف وعائلته شاهد عيان.

في خزائن أسرار المؤلف تظهر حكايات عن عالم جماعة الإخوان المسلمين ومرشدهم، تأتي التفاصيل عبر حكايتين داخل الكثير من الحكايات، يأتي ذِكر تفاصيل هذه الجماعة عبر مستوي شخصي يظهر فى تجربة الكاتب/البطل بشكل أساسي، فهناك منهج وطريقة لا تتغير عبر عقود متتالية، حيث يرصد أحدهم شاب وغالبًأ في مرحلة المراهقة ويبدأون في دعوته إلي الصلاة، ثم شيئا فشيء يزينون الموت، ويبطلون الحياة، هم أعداء الحياة، وأعداء الله، فالله الخالق الذي وهبنا الجمال فى العالم والرحمة لم يخلق الحياة ليحرمها وإنما ليحيا عبادها بها، عبر تفاصيل البطل/ المؤلف نجده شابًا يسير فى تيار هذه الجماعة الرافعة ألوية الله والدين، فنرى شابًا هجر الحياة، وأنكر بر الوالدين وأهمل ملبسه، وشكله.. فى قبض الريح لا نري فقط الحكايات، وإنما نتعلم دروسًا فى الحياة وفي التربية فنجد الأب يتعامل بحكمة مع ابنه، ويناقشه، حتي يُدرك الشرك الذي وقع فيه، فيعود إلى صوابه.

هذه الحكاية التي يتم إعادة بثها عبر شخصية وليد البطل الثاني فى الحكايات وشريك البطل، فتم معه نفس التفاصيل فى الغواية لابعاده عن الحياة وبثه روح الموت والكراهية.

وعلي مستوي آخر نري ونسمع حكايات كان رموز الجماعة فيها حاضرون بشخوصهم وعوالمهم يسرد هذه الحكايات عن الأب الذي كان يعمل فى هيئة الاسعاف، ويحكي كيف تم انقاذ الشيخ حسن البنا، كما يحكي عن الآثار المدمرة للأعمال الآرهابية التي قامت بها الجماعة فى خمسينيات القرن الماضي، حين كانوا يقومون بتفجير السينمات والمحال الكبيرة، بل أن الأمر يصبح شخصي جدًا حين يذهب الأب بحكم عمله كمسعف ليحمل بعض ضحايا تفجير سينما ريفولي.

التعامل مع الحوادث المتكررة يخلق عادية فى التعامل معها، بل أنه يُحيّد المشاعر، فلا يتورط الشخص فى مشاعر الحزن أو الأسي، فالأب الذي اعتاد نقل المصابين جراء التفجيرات، اعتاد الأمر، لكنه في حادثة تفجير سينما ريفولي يعود الأسي بقوة فأحد المصابين هو صديقه الشخصي الذي حضر فرحه منذ أسبوع، والأشلاء التي تجاوره هي زوجته/ عروسه.

الغضب الشخصي أقوي أثرًا وأعمق حزنًا، فلا يملك القارئ حيال هذا الاسترسال فى الحكي سوى أن يبكي متأثرًا لضحايا سينما ريفولي، ويمتلكه الغضب تجاه أعداء الحياة.

لنكتشف فى حكايات يحيى  أنها ليست أيام وراحت كما عنون حكاياته، لكنها حكايات نعيشها فى تاريخ يُعيد نفسه عبر جماعة تستل نفس المهج والطريقة فى التعامل، لكننا ننسي ما جري ويجري وننشغل بالنتائج.

يبدو هشام يحيى مُلمًا بفنون الحكي، فهو لا يعطي حكاية كاملة، محتفظًا بوعي شديد فى السرد، فكل حكاية مهما اكتملت هي حكاية منقوصة يمكن الرجوع لها والاضافة فيها، فلم يتورط في سرد كل التفاصيل، بينما هو مستمر في الحكي تاركًا خلفه مساحات من الشعف يصنعه بثغرات مُختارة بعناية، وليكشف أنه يملك الكثير والكثير من الأسرار، فينوه عن عربية الاسعاف وحكايات والده معها، مشيرًا إلى حكايتين أحدهما التي جاءت عن مُرشد الإخوان.

الغواية في قبض الريح لا تتوقف عند اللغة السهلة التي تمنح نفسها للقارئ وتورطه فى حميمية مع النص والحكاية، ولا تقتصر على حكايات شيقة لا تكتمل، وإنما يسعي الكاتب لجذب القارئ لمنطقته وإغوائه بمزيد من الحكايات الحية لبشر حقيقيين، دون أن يكون الخيال عنصرًا أساسيًا في القص، فهو يُشير إلي يوميات عربية الاسعاف، مشروع كتابه التالي كما صرح المؤلف في بعض اللقاءات التي أُجريت معه.

يكشف هشام يحيى زيف الإخوان وهشاشة منطقهم، وزيف الواقع عبر كشفه بهدوء ونعومة، ينحاز لكل ما هو واقعي وجميل، مؤكدًأ على أن الجمال يأتي من الصدق، والحياة قيمتها أن نعيشها.

قبض الريح حالة من الغواية والمتعة والكشف يقودها هشام يحيى عبر 25 حكاية ، جاءت حالة ثرية من البهجة والشجن.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى