التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

عادل أسعد الميري يكتب: «يوتوبيا»

كتب: عادل أسعد الميري

أحمد خالد توفيق / يوتوبيا / ميريت / 2008

 

رواية غريبة تتنبأ بما يمكن أن تتدهور اليه الأوضاع في مصر، بعد ثلاثين أو أربعين عاما، لو لم يحدث تغيير جوهري في نظام الحكم. تتخيل الرواية قيام جمهورية الساحل الشمالي، التي تضم مجموعة من المدن والقرى السياحية، مارينا ومارابيلا وماراقيا الى آخره، وتحمل اسم جمهورية يوتوبيا، وهو الاسم الذي اختاره توماس مور للمدينة الفاضلة التي تخيلها في مؤلفاته في القرن 16، وقد أحاطت بهذه الجمهورية الأسوار الضخمة المرتفعة، المزوّدة بالأسلاك الكهربائية، والتي يقوم على حراستها جنود البحرية الأمريكيون (المارينز)، بعد حصولهم على التقاعد من أمريكا، الذين لا يسمحون لبقية جمهور مصر الأخرى(الشعب المغاير) بالدخول، الا اذا كانوا يحملون تصاريح تسمح لهم بالدخول، للعمل كخدم في قصور أسيادهم من سكان يوتوبيا.

هذه الجمهورية الجديدة بها كل ما يسمح لسكانها بالبقاء فيها طول العمر، وبالاستغناء تماما عن الخروج منها، فهناك المدارس والجامعات والأسواق وكل الخدمات الأخرى، حتى المطارات التي تطير منها الطائرات مباشرة الى أوروبا وأمريكا، أو الى السعودية لأداء العمرة ومناسك الحج. بطل الرواية الشاب يشتكي من الملل، اذ ان كل شيء متاح له، الفتيات والخمور والمخدرات. يتحدث البطل باعجاب عن أحدث مخترعات العلوم الحديثة، نوع جديد من المخدرات (الفلوجستين)، تكفي بضع قطرات منه على راحة اليد، لتقذف بالمدمن في عالم خيالي لانهاية له.

بسبب الاحساس بالملل، وبفضل هذا المخدر الجديد، يقتل البطل وصديقته رجلا وسيدة من خدمهما، ويحصلان على ملابسهما الفقيرة القذرة، والبطاقات التي تسمح لهما بدخول يوتوبيا والخروج منها. ينتحل البطل وصديقته شخصيتيّ الخاديمن المجهولين، ويخرجان من يوتوبيا، بهدف الاطلاع على أحوال شعب مصر (الأخرى)، ذلك بالاضافة الى رغبتهما في الحصول على فريسة، من الشعب المغاير، يعودان بها الى صحراء يوتوبيا، حيث يطلقانها ثم يمارسان مع أصدقائهما لعبة جماعية بمطاردتها وقتلها. وفي حالة عثورهما على تلك الفريسة، ينويان الاتصال بالطائرات العمودية التابعة للمارينز، لتهبط وسط الغوغاء، وتعود بهما الى يوتوبيا.

يصل بهما الأوتوبيس الى نهاية الخط في القاهرة، حيث ينزلان في شبرا، فيفاجآن بطفح المجاري في كل الشوارع، وذلك لأنه لم تعد هناك أي خدمات حكومية. يذكر التاريخ ان الشعب المغاير، لم يكن يشكر الحكومات القديمة أبدا، على كل خدماتها الجليلة له، بل كان دائم الشكوى، بسبب وبدون سبب، وهكذا بدأ أفراد الحكومة في الانسحاب بالتدريج، في اتجاه يوتوبيا، فكانت الخدمات الحكومية بالتالي تنقطع واحدة بعد أخرى، حتى استيقظ الشعب المصري المغاير كله ذات صباح، ليكتشف اختفاء الحكومة بالكامل، فانقطعت كل الخدمات بالكامل منذ ذلك التاريخ، فليست هناك كهرباء، ولا مياه صالحة للشرب، ولا مجاري، ولا تلفزيون، ولا ثقافة، لا شيء على الاطلاق.

ثم ان المفاجآت تتوالى، اذ ان بيوت الدعارة موجودة في كل مكان، ويعلن عنها بدون أي حياء، فلم يعد هناك أي تحريم أو تجريم لممارسة البغاء، اذ ان تأخر سن الزواج الى ما بعد الأربعين كان هو السبب، ثم ان المأكولات المعروضة على الأرصفة، هي في الأساس سندوتشات جلود الفراخ وأرجلها، لأن كل الباقي من الفراخ يصدر الى يوتوبيا، وأصبح العثور على كلب ضال في الشوارع، لقتله وأكله مشويا، هو حلم أغلب الشباب الصائع الضائع.

وقد انتشر الخمر الرخيص المصنع من الكحول الأحمر، اذ  يقبل الناس على شربه، لينسوا الكابوس الذي يعيشونه، ثم لم يعد هناك أي مانع أخلاقي أو قانوني. عربات مترو الأنفاق سابقا، الذي لم يعد يستعمل منذ سنوات،  تحولت تحت الأرض، الى أوكار لعبث الشباب ولهوه، والممرات تحت الأرض أصبحت مأوى لأولاد الليل. الشيء الايجابي الوحيد، هو ان مادة جديدة مولدة للطاقة، تسمى البيرول، قد حلّت محل البترول، مما انهى ظاهرة عمل المصريين في بلاد البترول سابقا، وهكذا انتهى التعصب الديني، وعادت الأحوال سمن على عسل بين المسلمين والمسيحيين.

في هذا الجزء من الرواية، نجد تعليقين على الشعب المصري، يمكن اعتبارهما من أقسى الاهانات الموجهة اليه على الاطلاق، وهما على لسان شخصيات في الرواية، ص83 (أحيانا أشعر ان المصريين، شعب يستحق ما يحدث له، شعب خنوع فاقد الهمة، ينحني لأول سوط يفرقع في الهواء)، وص84 (تمّ جمع كل الأوغاد والخاملين والأفّاقين وفاقدي الهمّة، من أرجاء الأرض، في وطن قومي واحد لهم هو مصر، لهاذا لا تجد فاقد همة في اليابان، ولا تجد وغدا في ألمانيا، ولا تجد أفاقا في الأرجنتين، فكلهم هنا يا صاحبي).

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة