التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

إلياس .. دوائر هزيمة اللغة والإنسان

كتب: محمود حسني

 تقوم رواية “إلياس” لأحمد عبد اللطيف على التجريب في الشكل في أقصى صوره ليصل إلى عمق المضمون وهو المشروع الذي بدأه في أعماله السابقة (صانع المفاتيح – عالم المندل – كتاب النحات)، لكنه هنا أكثر تطرفًا. حيث تبدأ اللعبة السردية من التصدير القادم من التراث العربي ليحيلنا إلى إلياس النبي، ويختم الرواية بمقطع لابن كثير تحكي طيران إلياس في النهاية، وما بين التصدير والختام عالم سردي اختار أن يكون متوترًا بين القاهرة وغرناطة، بين الممثل والقاص، بين الحياة اليومية والتاريخ

من الصفحات الأولى تدرك أن الكاتب يريد أن يضيف شيئا جديدا لفن السرد. الأمر بالنسبة له لا يبدو محصورا في نطاق كتابة عمل روائي وحسب. هذه الرغبة في الإضافة ظهرت في صورة تجريبية على مستوى اللغة، والأحداث، والبناء الروائي، والأرق والتساؤلات الوجودية لدى “إلياس” الشخصية الرئيسية في العمل. ورغم أن إلياس يبدو قادمًا من عالم بعيد، إلا أن القاريء يلتقي معه في تفاصيل حياته، طريقة مشاهدته لها، شعوره بالهزيمة، كونه منبوذاً من المجتمع. تردده وقلقه يبدو وكأنه مد خط أرقنا على استقامته لنكتشف أنفسنا في أكثر صورها تعقيداً وتطرفا.

يذكر إلياس في أكثر من موضع أن أمه كانت تتوحم على طوب وتأكله وهي حامل فيه. ليس طوبا صخريا ولكنه طوب يذوب في الفم مثل السكر الجلاب. يكرر هذه الفكرة وكأنه يحاول أن ينفي أن يكون مخلوقا من صخر. فهو النقيض لذلك تماما، كائن هش للغاية. تُبرِز هذه الجزئية اشتغال الكاتب على الثقافة الشعبية التي احتوت على حكايات تتشابه في الغرابة مع هذه الفكرة. هذا “التضفير” في نسيج العمل لغرائبية الحكايات الشعبية، أو واقعيتها السحرية، بالعالم العجائبي الذي يحيا فيه إلياس بالتجوال في التاريخ في محاولة لقراءته بصورة مغايرة. ليظهر في النهاية أنه تاريخ من الهزائم المتتابعة. فبين القاهرة وغرناطة، يظهر ماضي إلياس أو أرشيفه متوازيا مع حاضره اليومي ليجعلنا نحتار متسائلين: هل هُزِم إلياس لأنه كان مشوشا مضطربا؟ أم أن الهزائم هي ما جعلته على هذا الحال، فاقدا لهويته، محاولا البحث عنه دون أمل.

يقول إلياس منهزما: “أنا لا يحركني حدث. لا يحركني حدث لأني إلياس. لا يحركني حدث لكن سأكتب الحدث. سأكتب الحدث لأني كاتب قصة. كاتب قصة فاشل. كاتب قصة فاشل لكن كاتب قصة. أكتب للمجلات مقابل مكافأة. وبالمكافأة أعيش… الواقع ليس في حاجة إلى الكتابة. الواقع موجود. الواقع مرئي. الواقع في حاجة إلى القراءة. القراءة بتأمل. والقصة تقرأ الواقع…. أكتب القصة لأقرأ الواقع. أكتب القصة لأني استطيع كتابة القصة. أكتب لأقرأ شفرات الواقع. أكتب للتسلية. طموحي أن أكتب قصصا مسلية. وأتحرك كجثة. أعيش كجثة متحركة. وأكتب القصص كجثة متحركة.”

وبدقة شديدة عبرت اللغة عن هذا التشوش بسردها للمونولوج الداخلي في عقل إلياس على هيئة جمل قصيرة تتشابك كحلقات تأكيدية، لتدرك أنه ليس فقط إلياس هو الذي انهزم على مدار أرشيفه ولكن اللغة أيضا هزمت لهزيمته. هذا التجريب اللغوي الذي يجعل النص متماسكا كمدماج ندرك من خلاله أن التجريب بطبيعته يخترق حجاب المألوف. فهو جزء أساسي من الحالة الإبداعية.

يبدو النص وكأنه يحمل مضامين مواجهة مع النقد الأدبي الأكاديمي. إمكانية تفكيك النص، وفهم رموزه، والخروج من التابوهات النقدية القائمة على تحليل قوالب البناء الروائي الكلاسيكي، كلها إشكاليات تواجه القراءة النقدية لنص يبدو أنه يذهب بالرواية العربية إلى مناطق غير مألوفة.

نشر في مجلة إبداع عدد شهر مارس

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة