التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

آخر كلمة

قصة:  أحمد نصار

“اليوم، صحوت مبكراً كما اتفقنا البارحة، صليت الفجر حاضر، جهزت إفطارنا: جبنة، طعمية، فول، كوب شاي بملعقتي سكر كما تحبين.

فى المطبخ الأحمر اللون – كما وددتِ أن يكون –  جلستُ أتناول الإفطار، أشعر بأشعة الشمس المتسللة من النافذة عن يميني تتراقص على المنضدة، متمردة على انكسارها كل يوم.

ذبتُ في كوبٍ من قهوةِ كلماتِك، صوتِك، وضحكَتِك تداعبهم موسيقى بيتهوفن..

ارتديت البنطلون الجينز الأسود والقميص النبيتي، وبعض من العطر الذي أهديتني إياه منذ عام في عيد زواجنا الثاني.

كنت “قمر” كما قالت مروة زميلتي في العمل، والتي تعرفينها، تعلمين أنه قد بقي على زفافها شهرٌ واحدٌ فلا حق لك في أن تغاري .

يومٌ مرهقٌ آخر، عملٌ لا أول له ولا آخر، إلا إنني لم أنزعج اليوم، كنت أعزف على أوتار السعادة بأصابع صورتك بخيالي. أما صورتك على مكتبي، لم تدع لي الفرصة لأنشغل عنك بكوب القهوة الذي أدمنه.

مررت على “أم محمد” وسلمتها الأمانة، لم يكف لسانها عن الدعاء لك، و لم تكف عيناها عن الدمع، وأنا لا أعلم فرحاً أم حزناً ولكنني قبلت رأسها بابتسامةً حاولتُ أن تكون فيها ابتسامتك، لكن هيهات..

بلغتُ سلامَك لعم محمد البواب وزوجته.

عدت، دخلت مسرعاً إلى الغرفة، فتحت الدولاب البني، بدّلت ملابسي، ثم ركضت مكملاً ارتدائي لها على السلالم..

أسرعت إلى مطعم “ستيفانو”، حيث التقينا أول مرة، وحيث اعتدنا اللقاء في عيد زواجنا..

  • أتمنى أن يكون العشاء قد أعجبك حقاً –

مرتدياً بيجامة نومه، مستنداً إلى وسادة على سريره، تحت ضوء خافت بجواره يكتب جواباً إلى زوجته..

تلك التي أحبها منذ سنواتٍ خمس حين التقى بها لأول مرة في المطعم ذاته صدفة، وكانت أول نقطة حبر توضع فى قصتهما معاً.. كانت تحبه على الطريقه القديمة، تحب الرسائل المكتوبة بخط يده، تحبها لأنه يعطرها من عطره، تحبها لأنه لمسها..

هكذا كانت تجيبه حين يسألها تفسيراً لتفضيلها الرسائل عن أي شىء آخر.

لم يكن ينزعج، بالعكس، كانت تعجبه طريقتها، طقوسها الخاصة، صفاتها، لمساتها المميزة، كان يهيم بها عشقاً كما يقولون..

قصةٌ وضع لها هادم اللذات نقطة النهاية: سكتة قلبية.

يكتب كل ليلة جواباً، يعطره من عطره، يقلّب في ألبوم صورهما معاً، يختار إحداهن، يضعها داخل المظروف مع الجواب ويلتفت إلى يمينه، يضعه أسفل الوسادة تحت موضع رأسها.

يطفىء الضوء وينام على جانبه الأيسر، ثم يرسل دمعة أظنها تمحو كل ما كتب وتؤلف كتباً بحبر أحمر.. هكذا كان كل ليلة حتى آخر صورة، آخر جواب، آخر كلمة، وآخر ليلة.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى