التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

الصَّبِيَّةُ وَالدَّرْوِيشُ

قصة: نسمةُ سَمِير

 

كَانَتْ الصَّبِيَّةُ الصَّغِيرَةُ ذَاتُ الضَّفَائِرَ الْمَجْدُولَةَ بِشَرِيطِ حَرِيرِيُّ أحْمَرَّ، وَعَيْنَيْنِ وَاسِعَتَيْنِ يُشَبِّهَانِّ الزَّيْتونَ الْأسْوَدَ الطَّازَجَ، لَا تُفُّهُمْ مَا يُرَدِّدَهُ لَكُنَّ اِسْتَوْقَفَهَا تَكْرَارُهُ لِلْكَلِمَاتِ وَإِصْرَارُهُ عَلَيهَا هَلْ هُوَ غِنَاءُ أَمْ بُكَاء أَمْ جُزْء مَنْ عَرَضَ مَسْرَحِي ، هَرْوَلَتْ مِنْ حِضْن جِدَّتهَا الدّافِيُّء نَحوَ النَّافِذَةُ تَتَابُعهُ بِعَيْنَيْنِ مُرْتَبِكَتَيْنِ كَيْ تِرَاهُ لِلْمَرَّةِ الْأوْلَى وَيَتَعَلَّقُ قَلْبُهَا الْأَخْضَرِ بِهِ وَيَصْبَحُ مُنْذُ يَوْمهَا مَعْشُوقهَا الْأَوَّلِ.

أَحَبَتْهُ كَبَاقَيْ الصَّبَايَا فَمَنْ يُسْمَعْ صَوْتُهُ وَلَا يعشقه بِقُلَّبِهِ قَبْلَ أُذْنَيْهِ، وَبَاتَتْ تَرَاقُبُهُ بمُقلتيها الْبَرِيئتين مِنْ خَلْفِ النَّافِذَةُ تَشِبَّ قَدَمِيُّهَا الصَّغِيرَتَيْنِ مُحَاوَلَة النَّظَرِ وَلَكِنهَا تَفْشَلُ فى كُلُّ مَرِّهِ بِسَبَبِ قَصِرَ قَامَتُهَا الَّتِي لَمْ تُكْمُلْ الْمِتْرُ فَهِي لَمْ تَتِمَّ عَامُّهَا السَّادسِ، وَفَّى الْخَلْفِيَّةُ تَعْلُو ضُحْكَاتُ اِبْنِ خَالَتِهَا السَّاخِرَةِ الَّذِي يَكْبُرُهَا بِبِضْعَ سنوَاتٌ، وَهَى تُصِرُّ عَلَى رَفْضِ عُرْضِهِ بِحَمَلِهَا لِمُشَاهَدَةٍ مَا وَراءُ النَّافِذَةُ فَقَلَبَهَا الْعَنِيدُ وَروحُهَا الْمُكَابَرَةِ وَكِبْرِيَائِهَا الفطرى يَمْنَعَاهَا مِنْ قَبُولِ عُرْضِهِ حَتَّى رَأَتْ كَرَسَّى خشبَى صَغِيرِ كَانَتْ تَجْلِسَ عَلِيُّهُ جِدَّتِهَا أَثْنَاءَ ” تزغيط ” الْبَطَّ فَقَامَتْ بِسُحُبِهِ بِيَدَيْهَا الصَّغِيرَتَيْنِ ثُمَّ وَقَفَتْ عَلِيُّهُ وَفَتَحْتِ النَّافِذَةُ لِتَتَمَكَّنَ مِنْ رُؤْيَةِ الْحَبيبِ.

بَاتَتْ تَنْتَظِرَهُ كُلُّ لَيْلَةٍ وبِمُجَرَّدٍ أُنَّ تَسَمُّعُ صَوْتِهِ يُهَرْوِلَ قُلَّبُهَا نَحوهُ، فتَبْتَسِمَ جِدَّتُهَا فَسَألَتُهَا الِصَبِيَّةٍ مَاذَا يُقَوِّلَ هَلْ يُغَنَّى أَمْ يَدْعُو، فَقَالَتْ لَهَا الْجِدَّةُ بَلْ دَرْوِيش زَاهِد فى مَلَكُوت اللَّه يَشْدُو بِالْأَمَلِ وَيَبْعَثُ الْأمَانُ فى قُلُوب الْعِبَادِ التى تَرْتَجِفَ مِنْ قَسْوَة الْحَيَاةِ فَيَشِقُ سُكُونُ اللَّيْلِ الْخَائِفِ وَيَعُلَّنَّ بُزُوغُ نهَار حُرّ جَديدٍ، فَلُمِعَتْ عَيْنَ الصَّغِيرَةَ ثُمَّ غَفَتْ لِتَحْلَمُ بِالدَّرْوِيشِ.

لَمْ تَكِنْ تَعَلُّمٌ أَنَّ صَوْتَهُ سَيُكَوَّنُ نَذِيرُ شُؤْمِ لِهَا، ففى أحَدَ الليالى خَرَجَ أَبِيهَا وَلَمْ يَعِدْ وَهَى تُخْتَبَأْ فى أُحِّدَ أَرْكَانُ الْمُنْزَلِ وَوَالِدَتِهَا تُبْكَى وَتَدْعُوَ اللَّهُ أنْ يُقَوَّى ظُهْرُهَا لِتَتَحَمَّلُ مسئولية أَطِفَالهَا بَعْدَ أَنْ اِنْفَصَلْتِ عَنْ أَبِيهُمْ ، وَكَانَ صَوْتُ الدَّرْوِيشِ يَمْلَأُ الْأَجْوَاءُ لِيَنْذِرُهَا بِأَنّهَا عَلَى مَشَارِفِ فَقَدْ الْأَحْبَابَ، وَأُصَبِّحُ صَوْتَهُ لَا يَسْمَعُ إلا وَيَعْقُبَهُ فَقَدْ قَرِيبٌ، صَدِيقٌ، عَزِيزٌ، أَوْ حَتَّى جَارٍ.

مَرَّتْ الْأَعْوَامُ وَفَّى صَبَاحَ أحَد الْأيَّامِ سُمِعَتْ صَوْتُهُ عَلَى غَيْرُ عَادَّهُ كَأَنّهُ يَحْذَرَهَا مِنْ أَنّهَا عَلَى حَافَّةِ الْفَقْدِ، فَتَمَرَّدْتِ عَلَى تَحْذِيرِهِ وَرَفَضْتِ أَنْ تَوْدُعَ جِدَّتُهَا كَعَادَتِهَا كُلُّ صَبَاحَ قَبْلَ ذَهَابهَا لِلْجَامِعَةِ، مُعْتَقِدَهُ أَنَّ عَدَم الْودَاعِ سَيُؤَجِّلُ الْفُرَّاقُ، لِتُعَوِّدُ فى الْمَسَاء تَجَدُّ جِدَّتُهَا قَدْ رَحَلْتِ لِبَارِئِهَا دُونَ أَنْ تَحْظَى بِبِضْعَ رَشْفَاتُ الْودَاعِ الْأَخِيرِ، فَزَادَ كَرْهُهَا لَهُ لَمَّ يَتَتَبَّعَهَا صَوْتُهُ لَمَّ يُصَاحِبَهَا شُؤْمُهُ أَوُصِّدَتْ نَافِذَتُهَا وَقَرَّرْتِ أَنْ تَمْنَعَ صَوْتُهُ مَنِ الْمُرُورَ إِلَى حَيَّاتِهَا التى شُبِعَتْ مِنَ الْفُرَّاقِ.

تَعَجَّبْتِ كَيْفَ كَانَتْ تِرَاهُ رَفيقَا وَأَنِيسًا فَهُوَ نَذِيرُ مَوْتِ وَفُرَّاقٍ، هَلْ هُوَ لِعَنهُ سَتُصَاحِبُهَا طِيلَةُ عُمَرِهَا لِأَنّهَا فَتَحْتَ النَّافِذَةُ فى تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْمَشْؤُومَةُ ، أَمْ سَيُخَلِّصُهَا اللَّهُ مِنهُ رَفِقَا بِروحِهَا الَّتِي أَنَهَكَهَا الْوَجَعُ.

اِسْتَيْقَظَ الصَّبَاحُ وَخَرَجَتْ الصَّبِيَّةُ إِلَى عَمَلِهَا، فوَقَعَ صَوْتُهُ عَلَى أُذْنِهَا كَالْصَّاعِقَةِ لِيَرْتَجِفُ قُلَّبُهَا وَكَادُ أَنْ يَخْتَرِقَ ضُلُوعُهَا مَنْ شِدَّة الْخَوْفِ، وَالْأسْئِلَة تُهَاجِمُ عقُلُهَا كَوَحْشِ مُفْتَرِس جَائِع يَنْهِشَ روحهَا يا تُرى مِنْ وُقَّع عَلَيهِ الْاِخْتِيَار تِلْكَ الْمَرَّةَ، مِنْ سَتَفْقِدُهُ.

طُوَّالُ الْيَوْمِ تَجْلِسُ شَارِدَةُ الذِّهْنِ تَتَفَقَّدُ هَاتِفُهَا مِنْ حِينَ لِأُخَرٍ وَكَأَنّهَا تَنْتَظِرَ خَبَرٌ مَا، حَتَّى رَنَّ الْهَاتِفُ فَتَعَجَّبْتِ لَيْسَ بِرَقْمِ لِأحَدِ مِنْ أَقَارِبِهَا فَهُوَ مُجَرَّدُ شَخْصٍ لَمْ تُقَابِلْهُ سِوَى مَرِّهِ وَاحِدِهِ وَلَمْ يَتَحَدَّثَا مِنْ قَبْلَ فَكَيْفَ سَيَكُونُ الْفَقْدُ، قَامَتْ بِالْإِجَابَةِ لِتُسْمَعْ صَوْتٌ لَمْ تَنُسَّاهُ باقى عَمَرَهَا غَرِيبُ أَصْبَحَ بَعْدهَا قَرِيبٌ ثُمَّ حَبيبٌ، لِتَمِرَ الْأيَّامُ وَتَشَهُّدٌ مَعهُ أَجُمِلَ أيَّامُ عُمَرِهَا.

أَدَرَّكْتِ حِينهَا أَنَّ صَوْتَ الدَّرْوِيشِ كَانَ نَذِيرًا لَمْ تُعْيِهِ، لَمْ يَرِدْ لِقَلَبَهَا سِوَى التَّأَهُّبِ للمفاجأت مَرّهَا وَحلْوَهَا، وَمُنْذُ وَقْتهَا فَتَحْتَ نَافِذَتهَا عَلَى مَصْرَعَيْهَا لِيَشِقَ صَوْتُهُ رَوِحَهَا الْمُظْلِمَةِ وَيُنَيِّرُهَا مِنْ جَديدٍ، لِتَهْمِسُ لَهُ قَائِلَةُ ” كَرَوَانِي سَتَظِلُّ دَرْوِيشِيُّ الزَّاهِدَ.. رَفيقِيُّ وَأَنِيسِيُّ وَإِنْ مَقَتَكَ الْجَمِيعُ سَتَبْقَى رَغَمَا عَنهُمْ النَّوَرَ الَّذِي يَمْحُوَ ظلمَاتُ أَرْوَاحهُمْ “

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى