التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

“ريش” حينما يكون المكان هو البطل

كتبت: نضال ممدوح

مُنذ ما يقارب 150 عامًا كتب الشيخ محمد عبده عن الأفغاني: “كان يجلس على مقهى متاتيًا يوزع الثورة بيمينه والسعوط بيساره” وربما كانت هذة من أولى الشواهد على دور المقاهي في الحياة السياسية والاجتماعية الثقافية في أواخر القرن الـ 19. عندما يذكر تاريخ المقاهي الثقافية في مصر تكون “ريش” شاهدة وصانعة لأحداث صنعت التاريخ السيسيو ثقافي المصري.

هنا على مفرق ميدان سليمان باشا “طلعت حرب حاليًا” تقبع ريش بحكمة وخبرة مائة عام، كانت حاضرة وفاعلة بقوة في تاريخ مصر الحديث، مع بدايات الحرب العالمية الأولى كان يجلس المراسلون الأجانب ليستشفوا الأخبار و أخر التحركات، فأمام المقهى كان يقع “مقر القيادة العامة لهيئة الأركان” لدول المحور بقيادة الامبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عنها، وعلى الرصيف المقابل كان مقر “حكمدار العاصمة وفي الأسفل قسم قصر النيل” وهو المكان الذي تحتله الخطوط الجوية الفرنسية الآن! هنا في ريش وعلى مدار تاريخها الطويل ذاك المناخ الكوزموباليتاني الذي كان يميز قاهرة الأربعينيات والخمسينيات حيث الفضاء المفتوح والمنفتح على كل الأعراق، والألوان، واللغات، والمِلل، والاتجاهات، والمعتنقات. هو مناخ أقرب إلى إسكندرية الأربعينيات كما صورها إبراهيم عبد المجيد في متتاليته الروائية: “لا أحد ينام في الإسكندرية / طيور العنبر / إسكندرية في غيمة” حيث الجميع متجاورون متعايشون في مناخ من التسامح وقبول الآخر والمجتمع المتعدد الأطياف فمن ولاد عرب “مصريين.. شوام.. مغاربة وعرب الجزيرة العربية” إلى أولاد الفرنج “طليان.. أرمن.. إنجليز.. فرنسيين.. ألمان ويونانيين” الكل متعايش رغم ديانات ولغات ومعتقدات شتى مُتباينة، هكذا كانت ريش -ومازالت- قطعة من مصر الأربعينيات والخمسينيات.

هنا الجميع يتحلقون حول قناعة أن في الأرض متسعًا للجميع، هنا نقطة تلاقي يجتمع حولها أغلب إن لم يكن كل رواد ريش منذ أنشائها وحتى اليوم. هنا في ريش وعلى مسرح حديقتها صدحت أم كلثوم بأعذب الألحان والكلمات، هنا تجلت “فاطمة” -روز اليوسف- بأدوار تمثيلية يصاحبها صوت: محمد عبد القدوس فتعارفا وتحابا.. تزوجا وأنجبا عملاق من عمالقة الأدب وفن الرواية: “إحسان عبد القدوس”. كما كان المقهى شاهد على كثير من قصص الحب والزواج للمشاهير في الأدب والفن والسياسة هنا التقت صافيناز كاظم بالفاجومي “أحمد فؤاد نجم” وكانت نوارة نجم نتاج هذا الاقتران، إلى جانب زواج أمل دنقل بعد تعارف في ريش من عبلة الروييني. في ريش كانت تُعقد الأمسيات الشعرية والندوات الثقافية، والتي من أهمها وأشهرها على الإطلاق ندوة نجيب محفوظ. جدران ريش المُثزدانة بصور عمالقة المبدعين والمفكرين والفنانيين من رواد ريش رواد حركة التنوير المصرية منذ مطلع القرن الـ 19، أسماء صنعت تاريخ مصر الحديث في الأدب والفكر والفن والصحافة والسياسة: طه حسين، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس، والأخوان على ومصطفى أمين، وكامل ومأمون الشناوي، وصلاح جاهين، وعبد الحليم حافظ، وحسين رياض، وزكي رستم، وليلى مراد، ونجيب الريحاني، وسليمان بك نجيب، وأم كلثوم، وعبد الوهاب، وأنور وجدي، وصباح، وصلاح عبد الصبور، ودنقل، ويحيى الطاهر عبدالله… جميعها صور بالأبيض والأسود في تقليد كان يحرص عليه ريش بوضع صورة لراحل من العمالقة من رواد ريش، أحدث هذة الصور لـ مالك الحزين الشهير بـ “إبراهيم أصلان”. يطل عليهم بأكبر الصور واختلافها بألوانها شيخ حارتنا الأديب العالمي نجيب محفوظ وهذة الصورة قد أهداها الأديب للمقهى عقب فوزه بجائزة نوبل. من ريش كانت تخرج مشاريع وأفكار الإبداع بألوانه وأجناسه الشتى من شعر وأدب وفن، كانت تخرج أيضًا الثورة والبيانات الثورية والمنشورات والتي كان يتم طباعتها بواسطة مطبعة رينو تم اكتشافها حديثًا بقبو المقهى كان يستخدمها ملاك المقهى في طبع المنشورات والبيانات الثورية منذ الاحتلال الإنجليزى، هذة المطبعة كان لها دور كبير في ثورة 1919. ريش التي بدأت بقطعة أرض من تقسيم قصر “محمد على” امتلكها “باغوص باشا نوبار” وألت في فترة التمصير إلى: “عبد الملاك ميخائيل صليب” عاصرت أربعة ثورات في تاريخ مصر الحديث: 1919 / 1952/ 2011/ 2013 كانت مِنبرًا للحرية ومركزًا تخرج منها الثورة يمينًا والفن والثقافة يسارًا من هنا كتب أمير صعاليك العصر الحديث “نجيب سرور”: برتوكولات حكماء ريش وعن المقهى ورواده سخر يوما الفاجومي “أحمد فؤاد نجم” من ريش وساكنيه: يعيش المثقف على قهوة ريش. من هنا خرج بيان المثقفين في عصر السادات عقب القرارات التي اتخذها من حبس واعتقال المثقفين والصحفيين الشهيرة والذي أرفقه -البيان- محمد حسنين هيكل في كتابه “خريف الغضب” بتوقيع توفيق الحكيم. واليوم عندما تلج ريش تجد في المائدة المجاورة لك إبراهيم عبد المجيد.. يوسف القعيد أو العم سيد حجاب والفنان بهجوري يحلقون في فضائاتهم الخاصة يقتنصون إبداع ويخلقون فنًا جديدًا وعن يسارك، أمامك أو خلفك حلقة نقاشية يتحلقها كوكبة من صفوة مُثقفي مصر سياسيين.. صحفيين.. فنانيين.. مبدعين كلهم عبروا من ريش. بعضهم مازال على العهد وفيًا لحنينه وحبه لريش.. إنه ريش عندما يكون المكان البطل في التاريخ لا يقل بطولة عن صانعه..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى