التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: إيهاب نجدت

 

حسناً.. ربما تبدو الأسئلة المفترض كونها تتناول أمورًا بديهية هي الأصعب على الإطلاق، ذلك أن ما استقر فى الوجدان وصدقه العمل بحكم العادة، لا يغدو محل سؤال أو اعادة  تفكير بأى حال من الأحوال.

بالنسبة إلي، كصبي نشأ بلا أخوة، كانت القراءة ملاذًا آمنًا وربما وحيدًا حتى، ثم  بعد وقت، تطور الأمر بعض الشىء، فلما لا أكتب أو بالأحرى أقلد هذه القصص الصغيرة التى أقرأها؟ فاذا كان باستطاعة كل هؤلاء أن يكتبوا هذا الكلام، فربما بقليل من التقليد والمحاكاة استطيع أنا أيضًا أن أفعل الشيء نفسه.

كلمة السر: الشعر، ولا غرو أن تكون بداية كل كاتب هي الشعر، فهو خفي ومكثف وحتى غير مفهوم، عاطفيا بالطبع؟ أكيد.

كنت أتغنى بسيدتى الجميلة، تلك التى لم توجد بعد حتى، وفى كراسة موسيقية صغيرة دونت هذه المقاطع من هنا و هناك، كم كنت سعيدًا بها، و فخورًا بنفسى فى الآن ذاته.

المحطة التى يمكننى تذكرها كأنها البارحة، عندما زرت أنا وأمى قريبا لنا، و كان الرجل بحق رضوان جنتي الصغيرة أنذاك، أقصد مكتبته التى بدت كبيرة ولا نهائية لصبي فى الحادية عشرة من عمره، كٌتب فى كل مكان، مجلدات ضخمة بأغلفة جلدية سميكة، كان هذا العالم أكثر تسلية بالنسبة إليّ من اللعب فى الشارع مع أصدقائى.

كنت أميل إلى اختلاق الشخصيات الخيالية، والأصدقاء غير الموجودين، أتحدث إليهم و عنهم، أرص كتبى الصغيرة فوق بعضها مشيداً بيوتا ومدنا من شرائط الكاسيت وأعمدة إنارة بأقلام الرصاص. لم يكن فى هذه المدن الصغيرة – التى لا  تعدو مساحتها مساحة سجادة صالة بيتنا –  رئيسا غيري، محركًا للأحداث و الأشخاص، أعربت عمتى حينها عن قلقها من كونى قد صرت مخبولًا، بعض الشىء، وأن فى تركي على هذه الحالة خطراً على مستقبلى الدماغي.

أصبح الأمر أكثر جدية، حين قررت عرض كراستى الموسيقية الصغيرة على قريبنا، رضوان الجنة، ليبدي رأيه فيما أكتبه، أو بالأحرى فيما كنت ألصقه من هنا و هناك، لم يشأ أن يكسر قلب طفل صغير بالطبع، فشجعنى، لكننى ممتن لهذا الرجل امتنانا غير محدوداً، كونه رأى فيّ حينها ما لم يراه الآخرون. صدقني وكان يتعامل مع كراستى الخضراء الصغيرة بجدية متناهية، ربما هذا ما منحنى القوة والشجاعة لأكمل الطريق، واثقًا أن هناك شخص ما أثق فيه، يقف خلفى، ويحفزني على المضيّ قدمًا.

تحولت الكراسة الصغيرة إلى كراسات، كنت حينها بحاجة إلى خطوط أمشى عليها، خطوطًا أشعر معها أنني آمن ، ولم يكن هناك ألطف من خطوط الكراسات الموسيقية الأربعة لهذه المهمة.

الآن أنا أفضل الأوراق البيضاء تماما، بيضاء من غير سوء، لا تحدني ولا تشعرني بأن هناك خطوط ما على الإلتزام بها، أو نهايات للصفحة تقيدنى، غاب رضوانى الصغير، وأصبحت أكثر ثقة فى اختياراتي، مازلت أحتفظ بهذه الكراسات الموسيقية الخضراء الصغيرة للآن.

وبعد، هل يمكننى القول بأننى أجبت عن سؤال الكتابة؟

ربما قد أكون فعلت، وربما لم أفعل، الأكيد أننى أكتب عن الأفكار التى تطاردنى بشكل لحوح، الهوس الذى لا يمكننى التخلص منه، لا بالنوم ولا بالتدخين أو حتى بالأكل.

إنها أشياء تؤرقنا وتدفعنا للإستيقاظ ليلا، لنكتبها حال ورودها بأذهاننا، أشياء لا يمكننا اعتبارها ثانوية أو غير مهمة، حيث أنها صلب وجودنا الإنساني الهش.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى