التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: بسمة العوفي

 

أكتب لأني لا ألعب مع أحد

 

قرأت مقولة سابقًا تقول “يكفيك حدثًا واحدًا يغير حياتك، لتصبح كاتبًا”. كلما تذكرتها ضحكت، لأن حياتي لم تكن عادية أبدًا.

لا أعرف سببًا يجعلني أكتب، لا يوجد دافع معين، فكل المشاعر والأفكار تدفعني للكتابة عندما تناسب مزاجًا جيدًا. لا أبحث عن شيء بقدر ما أبحث عن نفسي، أخشى أحيانًا من كلمة “كاتبة”، وأندم بشدة بعد نشر ما كتبت على الرغم من إعجاب الناس به. لا أهتم بآراء الناس، بل تفزعني، حتى الجيد والإطراء منها، تمامًا كما يفعل الذمّ وبخس القيمة. لكني كلما سألت نفسي “لماذا أكتب”، تحولت فورًا لسؤال “لماذا أحب الكتابة”.

عندما كنت طفلة صغيرة، كنت وحيدة، إخوتي سبقوني عمرًا فكانوا يلعبون سويًا، كذلك في المدرسة كنت غريبة وسط جنسيات لا أعرفها. كان أبي يشتري الكتب والمجلات، ويشتري روايات تشارلز ديكنز وشكسبير لإخوتي، ومجلات الأطفال لي، فكنت أقرأ الأولى بنهم، كأنها تحدِّ بيني وبين نفسي، أو كأني أخبر إخوتي أني أفكر مثلهم وأفهم ما يقولونه، وأتمنى لو يلاحظون اهتمامي بما أقرأ لعلهم يلعبون معي، لكنهم لم يفعلوا أبدًا. فكنت أقرأ روايات أهملوها، واقرأ المجلات بعدها. وبمرور الزمن، شعرت بأن هناك شيء ما يميزني، فأنا أستطيع أن أجلس ساعات أتأمل حركة الشمس، اتأمل لونها من الأصفر للذهبي للبرتقالي المحمر، وتدور في ذهني أفكار لا تدور في ذهن صديقاتي، وأتخيل حكايات بعدد آشعتها الذهبية.

كنت أنظر في عين الشمس رغم تحذير أمي بأن ذلك سيصيبني بالعمى، أحببت النظر إليها لأني عندما أغمض عيني أرى كويرات ملونة بألوان قوس قزح، وأتخيل أني أستطيع أن أسرد منها ألف حكاية. كانت القراءة أشبه بالنظر في عين الشمس. بمعنى أصح، كنت أشعر بأني أفعل شيء غريب وممنوع وسرّي، لكنه ممتع في نفس الوقت. أقرأ لأشعر بالألفة والتميز، كنت طالبة مغتربة بإحدى الدول العربية، وكان الجميع يتحدث لهجة لا أجيدها، فشعرت بأني بمفردي، وهو ما دفعني لقضاء ساعات أقرأ وأقرأ فقط لأجد أصدقاء في أبطال الروايات، في نفس الوقت الذي  كنت أشعر فيه بالتميز بالمقارنة بمن في نفس عمري، فعندما كانت تشغلهم الحقائب الوردية وربطات الشعر والأحذية الملونة التي تصدر نغمات مزعجة، كنت مشغولة بحب الورق والأقلام الملونة، وكنت أحصل على كميات كبيرة منها، كمكافأة في المدرسة، أو بمصروف جيبي. أعترف أن ذلك لم يكن جيدًا طوال الوقت، وكان تميزًا أشبه بالاغتراب والعزلة، وكنت أبحث عمن يقرأ مثلي لكي يلعب معي، لكني لم أجده أبدًا.

أصبحت الكتب صديقتي في عمر مبكر، ربما لأني نشأت في بلد غير بلدي وفي جو منعدم الاختلاط، ووجدت فيها براحًا لم أجده في حياتي. وبدأت في الرسم، وتعلمت من إخوتي الذين كانوا يرسمون بدورهم، وأتقنته تمامًا حتى عدت لبلدي، ودخلت الجامعة، وشاركت في مسابقات للرسم وفزت فيها، ثم تحولت فجأة للكتابة، التي بدأتها بكتابة الشعر، العامية والفصحى، ولم أستوعب ما حدث حتى وجدت في يدي أكثر من 300 قصيدة، ليست كلها مثالية بالطبع، لكني كنت أكتب بنهم المشتاق الذي وجد ضالته أخيرًا. كأني جائعة لشيء ما، أو يتلبسني عفريت أو جنّي مثلا، لم أكن أشعر بيدي، ولا بما أكتبه، وعندما أنظر له الآن أتعجب أنني من كتبت كل هذا الكلام!

في البداية كان كل شيء سرّي، جريمتي السرية اللذيذة، التي أعرف تفاصيلها وحدي، ربما كنت أبحث عن فضول زملائي وأنا أخبئ الأوراق منهم، ما الذي يريدون معرفته؟ أحببت اعتقادهم بأنها خطابات سرية من عشيق، لكنها لم تكن إلا خطابات من نفسي. وبعد أن حضرت ديواني الأول، لم أنشره، وتحولت للقصة وكتبتها ونشرت كتابي الأول في وقت وجيز، كان مليء بالأخطاء والهفوات، لكني كنت سعيدة به إلى أقصى حد.

لم أشعر أبدًا باغتراب أو بخوف من الورقة، فالرسم والكتابة متماثلان، هي طريقة أرى بها نفسي كما أريد، لا كما تعكس المرآة. أتذكر جيدًا أني كنت أرسم كلما وجدت نفسي وحيدة، لدينا ضيوف بالمنزل ولا أريد مقابلتهم، أصدقائي مشغولين بشيء ما، حتى عندما أجد نفسي مغتربة وسط كتب دراسية عقيمة، أو أجلس في محاضرة لا أفهم منها شيئًا. اختلف الأمر بسيطًا، بدلًا من أن أرسم في دفتر المحاضرات، أصبحت أكتب فيه. وشعرت حينها بأن الرسم والكتابة باب سرّي أستطيع الهرب منه إلى عالمي، وأعود بشيء جميل، بقطعة من الجنة، ولكن مع الكتابة هناك شيء أفضل، أعود بوثيقة ملكية هذه القطعة.

بدأت أكتب في كل مكان، في المواصلات العامة، على الأرصفة، في أعلى نقطة ببرج القاهرة وأسفل نقطة زرتها بالبحر الميت. أكتب قبل النوم وبمجرد استيقاظي، على الهاتف المحمول والورق والكمبيوتر، لدي الكثير من الدفاتر بأحجام مختلفة وأوراق مختلفة، ولدي مكتبة أفتخر بأني اشتريت كل كتاب فيها من مالي الخاص.

أحببت الكتابة لأني أشعر بانتمائي إلى هذا العالم، الذي يمكن للكلمة فيه أن تحدث فرقًا، وأن تغيّر شيئًا ولو بسيطًا. أحب أن أنتمي لشيء متصل بالكتب، برائحتها، بألوانها، وأغلفتها، أحب أن يكون كاتبي المفضل صديقي ولو في الخيال. وأحب أن أكتب ما لا أستطيع قوله عادة. أحب الكتابة الجامحة، التي تكسر العادة والملل والروتين، وأحب أن أكتب شيئًا قريبًا مني، قد لا يكون أنا، ولكنه يمثلني بشكل أو بآخر. ولدي قناعة تامة بأنه لا شيء أفضل من كتابة جيدة ينسيك هموم العالم.

كلما اشتريت كتب تأكدت من أني أحب الكتابة، لأني أستطيع بها مصارحة نفسي، وكلما كتبت اكتشفت في نفسي شيئًا لم أكن أراه، كأني أحفر داخل نفق طويل وممتد، أرى في آخره نور، لكني لازلت في بداية الطريق. وكلما بحثت، وجدت أشياء في نفسي لم أكن أتوقعها أبدًا.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة