التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

 كتب: بيتر ماهر الصغيران

 

تظل الكتابة فعل من أفعال الحياة، تحلق فى قلب الكاتب كطائر لا يحط إلا على قلم فيكتب، تظل الكتابة هى كل الحياة، هى التى تعطي لأبطال الأعمال الاوكسجين، حتى لو كان  بطل العمل الذى فى مخيلة الكاتب ميتاً، يحيا من جديد بقلم الكاتب، فالأدب هو أعظم ما انتجه الإنسان فى تاريخه ليفهم نفسه من الداخل، والذي بدونه يفتقد لتفسير ظواهر كثيرة تحدث فى الحياة،  فيشعر الإنسان أنه هناك رتابة و ملل، بل ويفقد جزء من إنسانيته، ببساطة، نحن نكتب لأن الكتابة كينابيع ماء داخل الكاتب، تتفجر لتروي ظمأ القارىء.

الحكاية بدأت كأى طفل بمحبة سماع الحدوتة، والإنبهار والدهشة التى كانت تصيبني بعد إنتهاء كل حدوتة، انفعلت بشدة مع سندريلا، و ذات الرداء الاحمر، و سنوايت، شعرت أن هناك قوة ما خلف الكلمات، دفعتني للتعجب و التساؤل، لم أكن أعرف ابداً من أين تأتي تلك القوة؟ إلى أن جاء درس قراءة فى الصف الثالث الإبتدائي، و كان أول خيط و حديث عن نجيب محفوظ و الثلاثية، وهنا تمت النقلة النوعية من السمعية إلى البصرية بالقراءة الذاتية، فصممت أن أعرف ما هى الثلاثية، فبدأت علاقتي بالكتابة بأحد أبدع و أعظم الأعمال الإنسانية على الإطلاق، طفل فى الثامنة من عمره يهتم بالثلاثية كانت غريبة جداً لمن هم فى مثل سني، فى نفس العام و أثناء الإحتفال بعيد الأم ، صممت ألا ألقى على مسامع أصدقائى الطلبة مما حفظت من المحفوظات و الأناشيد التقليدية، وارتجلت بيتين من الشعر، حتى أنى أذكر أن مدرسة اللغة العربية وقفت مذهولة كيف لطفل مثلي يرتجل شعر موزون، استمرت علاقتي بالكلمة و قرأة أدب الأطفال والمكتبة الخضراء  حتى الصف الثالث الإعدادي والإنتفاضة الفلسطنية وكتابة أول قصيدة شعر كاملة، و جميع من قرأ القصيدة لم يصدق مطلقاً أنها لطفل لم يتجازو الثالثة عشر من عمره، بمرحلة الثانوي كتبت أشعار كثيرة وأول قصة قصيرة، بل وبعض المحاولات لكتابة المسرحية و الرواية، حتى وصلت إلى المرحلة الجامعية  والنضج والبحث عن الكتب، و شراء أول ديوان شعري بسن السابعة عشر، و لولا وجودي بمدينة صغيرة جنوب المنيا، لكان  أول كتاب فى سن أصغر من هذا، فنحن فى مدينة لا يوجد بها أى منفذ من منافذ بيع الصحف، هو شخص واحد يبيع  الثلاث جرائد الرسمية الاهرام والجمهورية وأخبار اليوم وأحياناً الوفد و اضيف لاحقاً المصري اليوم وبعض الجرائد الأخري  ذائعة الصيت، لولا معرض الكتاب الذى أقيم فى السنة الأولى بالكلية وكان للمرة الثانية  على التوالي، عندما اشتريت مجموعة من الروايات العالمية والمحلية  والدواوين والمسرحيات والكتب النقدية، بدأت مكتبتى تتشكل وانتظر المعرض من السنة للسنة، وادخر من مصروفي الشخصي،  أضيف إلى ذلك مجلة أخبار الأدب التى كانت نافذة لى على عالم الأدب، ثم مجلة الشعر ثم مجلة الثقافة الجديدة ، و هكذا تشكل وعي الأدبى مبكراً، انتظرت طولياً حتى أنشر أولى تجاربى الشعرية أو القصصية، ستة سنوات أو أكثر  لم يكن فيها أى أهتمام بأدب الشباب حتى قامت ثورة يناير المجيدة، فشعر المثقفون أن هناك قوة كبيرة أسمها الشباب، قادرون على التغير فبدأت دور نشر جديدة و بدأ الشباب يكتبون و ينشرون .

الكتابة أوكسجين يتنفسه الكاتب، فيصير مرة فلاح و مرة يتقمص دور امرأة و مرة موسيقي، و مرة نصاب و مرة رجل أعمال ومرة أخرى عاشق، الكاتب كل هؤلاء، ولقد أكتشف القدماء أهمية الكتابة فى تسجيل التاريخ و نقله عبر الأجيال، إلى ان جاءت الكتابة الإبداعية، ليشعر معها القارىء أن عواطفه كلها خرجت على الورق، ليبكى إذا بكى قلم الكاتب، أو يفرح ، فالكاتب الحقيقي يكتب قصته مرتين، مرة من خلال نفسه، و مرة من خلال تجاربه مع الاَخرين، الفرق بين كاتب و اَخر ليس فقط الموهبة أو الأسلوب و أنما الخبرة الحياتية، و الخبرة ليست مجرد سنوات تمر بالحياة  وأنما هى أن  يتعرض هو ذاته للموقف أو الحدث،  كلما كان الكاتب فى قلب الحدث، كلما استطاع أن يصيغه بالأسلوب الأدبي،  ليس مجرد سيرة ذاتية و أنما استثمار لما رأى و عاش.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة