ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: رقية الياقوت

 

هجرت طفولتي مبكرًا حيث كنت في السابعة من عمري ولا يستهويني أثناء تسوقي شيء كما الأقلام والدفاتر والمذكرات والأوراق بشتى أشكالها وألوانها وأنواعها , كانت عائلتي تستغربني ! لماذا كل هذا الاهتمام .. ولماذا لا تستهويني العرائس وألعاب المطبخ كما بقية الأطفال

وكنت في ذات الوقت لا أترك ورقة تمر من بين يدي دون أن أقرأها, وأمسك أقلامي ودفاتري لألخص ما قرأته في مواضيع قصيرة تناسب عمري الصغير ..

كنت ألقي تلك الكلمات في الإذاعة المدرسية, وكنت أسعد بعد سماع صوت تصفيق الجميع, وفي الحفلات السنوية كان يطلب مني كتابة مقدمة الحفل وصياغة بعض الفقرات, وبالطبع ينبهر الحضور من كتاباتي ..

ومواضيع التعبير كنت أتفوق فيها وبجدارة .. لم أكن أدرك بعد عشقي للكتابة بحد ذاتها فانشغالي بالإنشاد وترتيل الآيات وغيرها من الهوايات لم يترك لي الفرصة في اكتشاف موهبتي الأهم ..

كبرت قليلًا ولا زال الشغف بالورقة والقلم مستمرًا حتى أني لم أكن كباقي الفتيات فمستحضرات التجميل والأزياء لا تشغلني كثيرًا ..

لم اكن بحاجة للبحث حين أحتاج مقالًا في أحد المواضيع, كنت أفتح دفتري وأكتب ما أريد وألقيه على من يريد.

كانت تستفزني كثيرًا العادات الخاطئة التي أراها في المجتمع وكنت أحب الجميع أن يستمع لوجهة نظري, لصوتي, لحلولي, لأفكاري, لمقترحاتي, ووجدت الكتابة هي الطريق لذلك, في الثانوية كانت مواضيعي تعلق على جدران المدرسة وتلقى كالمعتاد في الإذاعة الصباحية, وتكتب في مقدمات بعض الكتيبات المتعلقة بالمشاريع والمواد الدراسية .

وفي هذه المرحلة تحديدًا استجدت فكرة الأحزان الكثيرة, فكلما كبرنا يومًا تزايدت الهموم, ووجدت المتنفس للحزن في حروفي التي أبوح بها خواطري والتي تجعلني أرتاح من عناء الوجع

كبر بداخلي شغف القلم والورقة, وبت أحلم أن لا أرحل, لا أقصد أن لا أموت , ولكن أعني لا يموت أثري بعد موتي, ووجدت القلم طريقي لذلك أيضًا .

تعمقت أكثر في الكتابة وعالمها, وذات يوم قرأت للعقاد “أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني” فاغتالني شعور رغبة جامحة في أن أنال شرف الكتابة لآخرون, حتى يعيشون حياة أخرى بقلمي ..

تمسكت بالقلم أكثر, حتى وصل بي الحال بأني أحزن حزنًا شديد على فقداني لأحد أقلامي أكبر بكثير من فقداني أحد قطع مجوهراتي الثمينة, علاقتي بالقلم والورقة صداقة, بل قل حب إن أردت ..

أطلت الثرثرة أعلم ذلك .. ولكن سؤال كهذا ” لماذا نكتب ” هيج ذكرياتي , وجعلني أفكر لساعات لماذا أكتب ؟

هل أكتب لأترك أثر, أم أكتب لأرتاح؟ أم أكتب لأبوح؟ أو لأدافع عن أفكاري؟ أو لأعترض على أفعال المجتمع البائسة محاولة التغيير؟

أيًا يكن اكتشفت بعد هذا السؤال أني أكتب لأعيش, في كل حالاتي أنا أكتب, تعددت الأسباب والفعل واحد, فالكتابة حياتي, والحياة تحتوي كل شيء, كما الحروف تكتب كل شيء ولكل الأسباب !

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى