التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: زياد إبراهيم

 

أَكْتُبُ هَرَبًا مِنْ عَجْزِ البَوْحِ وَطَمَعًا فِي بَرَاحِ الْخَيَالِ

طلب مني صديقي سامح أن أكتب مقالاً بعنوان: لماذا أكتب؟ حينها ترددت كثيرًا في الكتابة، لكنى أخيرًا ارتديت “لُبْدَة” الأسد، وقررت أن أكتب.. والله يسامحك.

أولاً: وقبل كل شيء أحب أن أوضح أنني لا أكتب لأغير العالم، فأنا لست مسئولا عنه، بل هو المسؤول عن سقطاتنا وأوجاعنا، فأنا لا أعكس الصورة، ولكن أحب أن أضع الأمور في نصابها الصحيح.

الكتابة جاءت وليدة الألم.. بدأت معي للتخلص من أزمات كثيرة اكتسبتها على مرِّ السنوات الماضية، فأنا أكتب للتخلص من ضجيج الحياة.. من ثقل المسئوليات، أو فرحًا وبكاء.

لست إلا كاتبًا هاويًا يلعن في سطوره الوهن؛ لأنني ببساطة مجرد إنسان بسيط يهرب من عجز البوح، وقلة الحيلة بالكتابة، فلعنت في سطوري الحياة التي لم تسألنا أو تخيرنا لماذا أتينا؟ ومن أين جئنا؟ ولماذا أنا تحديدًا؟!.

المولود الميت أفضل من الحي الذي يتمنى الموت، فما بين الحياة والموت إلا سطور كثيرة وجمل اعتراضية طويلة، تكره وتلعن كل ما هو محيط، ففي الحياة أعجز عن الرد خجلا، فألعن لساني مئات المرات الذي رفض أن يساعدني على البوح، ولكن مع الورقة والقلم أجد نفسي حرًّا طليقًا أكتب وألعن، وأحب وأكره دون رقيب عتيد يجلس على كتفي، أستمتع في الكتابة بتراكيب الجمل الغريبة، مكونة مرآتي العاكسة لأدق أسراري العاجزة.

الكتابة- يا صديقي- فعل ممزوج بحنين لتجربتي الخاصة التي فقدتها، أو التي تمنيت ألا أمر بها، أسمع دوي الصرخات واللعنات التي أريد أن أطلقها على العالم من حولي، وأتمنى التخلص منها حتى لا تصيبني بالصمم، مررت بتجارب كثيرة وفقدت فيها أعز الأصدقاء والأحباب، كانت البداية مع فقداني لأمي.. التي تركت جرحًا لا يذبل إلا حين أكتب.

ودعني لا أخفيك سرًا أنني أحيانًا أتخيل صديقي الخائن قد مات فأطلب له المغفرة وأسامحه على فعلته، وأكتب في فقدانه مرثية طويلة، ولكني اصطدم به حيًّا في الواقع، وأتذكر الوجع الذي تسبب فيه، وكم مرة حاولتُ الاتصال بالأحباء الذين ماتوا وارتاحوا من عذابات الحياة، فأتذكر أنهم فارقوا، وتصيبني المفاجأة بالشلل المؤقت، وكأنني أكتشفها لأول مرة، ولكني أهرب منها سريعًا بالكتابة.

هذا الواقع المر الأليم الذي يحاوطني، أفر بنفسي منه إلى خيالي، فأهدأ وأسترسل بأفكاري إلى أحلامي السرمدية التي تتوقف لحظة التعامل مع المحيط، ولكن أحيانًا كثيرة تكون خيالاتي أشد وأعنف من واقعنا.

يا صديقي أنا لست سوى مريض نفسي تتسلط عليه الخيالات والانفعالات، وتجعله يبكي سرًّا، فكم مرة سرت بالشوارع أبكي على أمور لم تحدث في الواقع، أتخلص منها بمجرد كتابتها، فالكتابة هي طبيبي النفسي المعالج لي.

أنا في النهاية إنسان معقد بتركيبتي الخاصة، والكون لا يعطيني إلا براحًا مزيفًا تراه العين لا يكفي الروح، وأقرب الأقرباء لا يفهمني، وفقدتُ في حياتي الإنسانة التي تملك القدرة على استيعاب هذه التركيبة، وأصدقائي في الحياة هما الورقة والقلم، وكفى بهما نعمة، فهما الصديقان اللذان لا يعترضان على قولي.

وأخيرًا.. لا يحضرني يا صديقي غير بيت من قصيدة درويش لاعب النرد:

مَنْ أنا؟

كان يمكن أن لا يحالفني الوحيُ

والوحي حظُّ الوحيدين

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى