التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: سالم الشهباني

 

فى المرة الأولى التى عبرت فيها الجسر خلف أبى ذاهبًا معه إلى عمله،  كنتُ طفلاً  لايتخطى الخمس سنوات، كاد قلبى يتوقف من شدة الخوف ومن عواء الكلاب على الطريق؛
لكن غناء السيدات الجالسات  أمام بيوتهن  يصنعن أطباق الخوص من جريد النخل على إضاءة لمبات الجاز، أشعرنى بالطمأنينةِ والأمان.

كان  الغناء عذبًا جميلاَ يتسلل فى أطرافِ البلدة يبدد الظلمة الموحشة  ويحيل الليل نهارًا.  منذ هذه اللحظة وأصبح الغناءُ والشعر والموسيقى سبباً وجيهاً للحياةِ،أحببتُ الشعر حيث أني أنتمى إلى قبيلة بدوية تعيش فى جنوب سيناء، تحب الشعر وتجيد قوله.  أصبح الشعر لدي مكونًا أساسيًا من خبراتى. وجدته  حاضرًا فى كل شيء  فى مراسم الأفراح والأحزان  فى نداءات البائعين، فى جلسات السمر، فى غناء الأمهات لأطفالهن وفى الجلسات العرفية التى تعرف بجلسات قطع الحقوق أو ” حق العرب”.

كنت حريصًا أنْ أفتحُ عينىّ على اتساعهما  حتى أرى كل التفاصيل وأسجلها فى ذاكرتي حريصًا على معرفة كل شيء،و من حسن حظى كان  والدى شيخ قبيلته، كانت الجلسات لاتنقطع من مجلسه، ودائما “مندرتنا ” عامرة بالضيوف.

أتذكر أنّ من ضمن هؤلاء الضيوف رجل مسن يرتجل الشعر كان يأتى إلى “مندرتنا” كل شهر يقيم ثلاثة ليالى ثم يذهب، يجلس ليلًا يترجل الشعرَ ونلتف حوله، نسمعه، ونحن فى غاية الشغف متابعين قصصه التى يحكيها بالشعر ،   أظن أنّ مثل هذه الأشياء هى التى شكلت ذاكرتى وجعلتنى التصق بالشعر واجد فيه طريقًا للحياة والتعبير عن كل مايجحتاحنى من شعورِ. انتقلت مع أسرتى من جنوب سيناء إلى القاهرة  واستقرت الأسرة فى مدينة حلوان حيث أن ظروف عمل أبي كانت تقتضى ذلك، وهنا تعرفت على وجه أخر من الموروث الشعبى والفرجة الشعبية التى تظهر جليًا فى الأمثال الشعبية  وندءات البائعين، والموالد، والسير الشعبية، وغيرها من الأشياء التي جاءت نتيجة  لتعدد وتنوع ثقافات مجتمع المدينة مما أثر فى ثقافتي وخبراتي وأضاف بعدًا أخر لها. قرأت للعديد من شعرائنا الكبار وتعرفت على تجاربهم، وأسعدنى الحظ أن اتعامل مع بعضهم ، ومنهم من قدمنى للحياة الثقافية وراهن على تجربتى، تعرفت على كتّاب جيلى عن قرب وعايشت تجاربهم، حرصت أن أنقل لهم  عبر كتاباتى بيئتى البدوية بكل تفاصيلها ليتعرفوا عليها ويفهموها جيدًا، حيث أنّ هذه البيئة ظلت غائبة عن مجتمع المدينة مهمشة  من مؤسسات الدولة، مجنى عليها ومتهمة فى إعلامها. حرصت أن أقدم لهم البيئة البدوية كما أعرفها وكما عايشتها، بطيبة أهلها وحرصهم، وتمسكهم بعاداتهم، وتقاليدهم  وأرضهم التى يعتبرونها شرفهم وقضيتهم الأولى،

تخرجت فى كلية الحقوق ـ جامعة القاهرة ـ  أثناء فترة دراستى حصلت على العديد من الجوائز والتكريمات  من قبل الجامعة فى مجال الشعر.  بعد تخرجى فى الكلية  صدر لى العديد من الدواوين الشعرية  التى تخطت الثمانية دوواين ،  وحصلت على جائزة التفرغ من وزارة الثقافة المصرية لمدة أربع سنوات  عن مشروع يؤرخ بالشعر للألعاب الشعبية المصرية للأطفال.

حصلت على العديد من الجوائز المحلية والعربية والدولية،  مثل ( جائزة ملتقى الكتاب الأول بمدينة صلالة سلطنة عمان ، جائزة مركز جوته الألمانى فى شعر ال slam   وغيرها من الجوائز المحلية التى لايتسع المجال الى ذكرها). ترجمت بعض قصائدى اللى اللغات “الروسية ـ الألمانية ـ الانجليزية ـ والفرنسية ”  سافرت إلى العديد من الدول العربية مشاركا فى مهرجانات عربية ودولية منذ هذه اللحظة أيضًا، أدركتُ  قيمة الكتابة بشكل خاص، وقيمة الفنون بشكل  عام، فى قدرتها  على أن تختصر المسافات وأن تزيل الحدود بين الدول،  تلك الحدود التى صنعتها الصراعات و الحروب.

تسطيع الفنون  أن توحد الشعوب حول معنى واحد هو الجمال ، أن ترثى معنى السلام  وترد الأنسان إلى فطرته الأولى.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى