التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الطلياني .. غباء الأنظمة العربية وتواطؤها مع التنظيمات الإرهابية

كتبت: نضال ممدوح

عندما إستعان السادات بالتيارات الدينية المتأسلمة لتصعيدها لضرب وتصفية التيارات الناصرية، الإشتراكية واليسارية  في المجتمع المصري وخاصة الجامعات في مستهل حكمه٬ لم يكن وحده المتفرد بذاك الإتجاه السياسي وإنما نجد إتجاه مثيله لجأ إليه نظام  “بورقيبة” التونسي  منذ  أواخر السبعينيات وحتي الثمانينيات من القرن المنصرم وما زالت الشعوب العربية  إلي اليوم وحتي إشعار آخر تدفع ضريبة هذا الإتجاه. في روايته “الطلياني” للروائي التونسي “شكري المبخوت” يسلط الضوء بقوة علي أزمة المثقف اليساري وأزمته سواء في نقده لليسار من الداخل أو صراعه مع السلطة بداية من الجامعة مرورا بعمله في الصحافة.

عبد الناصر “الطلياني” في تحقيقه حول إعتقال قائد الجهاز الخاص في حركة الإتجاه الإسلامي  في أكتوبر ١٩٨٧ ٬ كان القائد أستاذ رياضيات تكون منذ مرحلته الثانوية علي أدبيات الإخوان المسلمين وعلي رأسهم سيد قطب “وفي حوار يدور بينه وبين  رئيس التحرير “سي عبد الحميد ” :” هؤلاء ليسوا أبناء مجتمعنا إنهم إمتداد لتنظيم عالمي وراءه أموال كثيرة من أجل ضرب  الإنموذج التونسي وخصائص القومية التونسية ومكاسب دولة الإستقلال٬ إنهم يكرهوننا .. يكرهون حداثة بورقيبة .. ومكاسب نسائنا ٬ أنسيت أنهم أبناء حسن البنا وسيد قطب والمودودي ولا صلة تربطهم بخير الدين والحداد والشابي٬ لقد جاءوا إلينا مثلما جاء الماويون والتروتسكيون والناصريون والبعثيون قبلهم ٬ خليط من إخوان مصر ووهابية بن باز وحاكمية الخميني ”

لجأ النظام التونسي كما نظيره المصري إلي ضرب اليسار التونسي  بتشجيع الإسلاميين ورعايتهم والسماح لهم بالعمل في المساجد وتكوين مجتمع مواز باسم الدعوة إلي الدين والأخلاق الحميدة من خلال جمعيات حفظ القرآن والمنظمة الكشفية والدروس الدعوية بالمساجد والخطب المنبرية ٬ إضافة إلي الجامعات والمدن الجامعية وداخل العائلات التي قسموها إلي مؤمنين وكفار ومتحجبات وسافرات ٬ حتي النقابات عادوها وعادوا قياداتها في صراعها مع السلطة خاصة في أحداث ١٩٧٨ ٬ عملوا علي التغلغل فيها وتخريبها من الداخل لتحويل وجهة الصراع الإجتماعي كما حدث في مصر وتغلغل هذة الجماعات داخل النقابات والإستحواذ عليها .

تناول ” المبخوت”  عن قصدية التحولات المتلاحقة التي مرت بها  حداثة الدولة الوطنية المعلنة وذلك من نافدة التطورات الفارقة التي طالت مسارات التنظيمات الإشتراكية، اعتقد أصحابها وبقدر غير قليل من السذاجة أن قدر الكفاح من أجل تحقيق قيم الحداثة وفقا لمبادئ اليسارية، طريق واضح  من المستحيل أن تحيد عن مساره٬ فكان اصطدامها بالواقع المتقلّب مفزعا حوّل مسارات حياتها إلى ما يشبه تراجيديا فاجعة لأبطال مأساة اجتماعية تعمّد “المبخوت” بعناد النحت  في ثناياها الملتويّة والكشف عن إنسانيتها المربكة وبطولتها المتوهمة وإخفاقاتها المستجّلية لطباعها البشرية.

تحت سماء منطقتنا ما بين المحيط إلي الخليج  يجثم الفكر البطرياركي الأبوي  الوصي على خضوع الجميع  لجمود  اليقين المؤثم للشك والتساؤل يشرع الراوي في نقل المتلقي عبر رحلة عاصفة  لذكريات ” الطلياني” منذ نشأته الأولي  العائلية ورفاق نضاله في الجامعة ومستنقع الصحافة الموبوء الذي ساقته ظروفه لمعايشة  قاذوراته  مرورا بالنساء في حياته بدءا من  للا جنينة وروائحها المسكرة السحرية مرورا ب “زينة” رفيقة الجامعة وزوجته التي ترفض إعلان زواجهما مكتفية بكونه “صداق”  تنهيه بالطلاق والرحيل إلي فرنسا منهية تاريخ مشترك بينهما، طزاجة وفتنة  السويسرية “انجليكا” و”نجلاء” صديقة زوجته زينة  استاذة التربية البدنية  وان كنا نشتم رائحة علاقة حميمية “مثلية” بين المرأتين لا يكشف عنها المبخوت إلا ضمنيا وليس إنتهاءا ب “ريم” العابقة  بالشهوة والشبق وإن كانت تخفيهما خلف مظهرها المتغطرس الجاد والذي سرعان ما يسقط في لقائهما الأول ويكشف به المبخوت إنكسارات “الطلياني” التي ذكره بها إستدارتها لتعرض ظهرها بدلا من بطنها  فتذكر سكين اللحم الذي أخترقه  و لم يغفر لمن حاول اغتصابه فعلته حتى وان كانت “آلته معطوبة” كما قيل له للتهوين عليه .

وما بين احلام مجهضة وأجساد مغتصبة كما الافكار جاء عالم ” الطلياني ” بزخم وفضاء خصب نهل منه  المبخوت  وتنقل من عالم  الى آخر بصوت راو عايش شطر كبير من حيوات أبطال النص في محاولة لفهم ما نعيشه اليوم من حالة بلبلة وحالة اضطراب وتداخل٬ عالم الافكار والصراعات السياسية وعالم الصحافة وكواليسها السرية٬ أترويكية  الجسد موضع  للهزائم والفتوة الغضة والخيبات في آن .

” الطلياني” لشكري المبخوت مخاض ناجح لروائي جاء من خلفية أكاديمية خال ــ وإن لم يكن تماما ــ من شوائب  وأخطاء التجربة الأولي .

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى