التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

حياة معلقة .. حيوات موسومة جميعها بالانتطار

كتبت: نضال ممدوح

إستطاع الكاتب الفلسطيني “عاطف أبو سيف” في روايته “حياة معلقة”، التعبير عن حياة الفلسطينين في غزة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وتفاصيل حياة سكان المخيمات، والتحولات السياسية وأثرها على العلاقات الاقتصادية والثقافية والصراع من أجل الهوية والبقاء٬ تتناول الرواية سيرة حياة ” نعيم” والذي يواكب مولده حرب  1948 تهاجر أسرته من يافا، ويسكن مخيم قرب غزة٬  يعرض حياته وحياة أسرته لخطر الإعتقال وهو يطبع سرا منشورات المقاومة قبيل الإنتفاضة الفلسطينية الأولي التي تنطلق شرارتها فتخرج صوركبيرة للشهداء من مطبعة نعيم لتتزين بها شوارع المخيمات وواجهات محالاتها .

لا يدعي ” نعيم” أية بطولات ويرفض إلتقاط الصور له٬ تتلخص أحلامه البسيطة في إلتئام شمل أسرته وأبنائه الثلاثة  عودة سليم من إيطاليا  وخروج سالم من السجن  وزيارة إبنته سهي بعدما رحلت مع زوجها إلي السعودية٬ ولا يتحقق حلمه أبدا بعدما تقتنصه رصاصة جندي إسرائيلي فترديه قتيلا٬ وتبكيه قلوب  قبل مآقي كل من عرفوه  المختار وصفي، والحاج خليل، ويوسف، ونصر وآخرون من الشباب الذين طوق نعيم أعناقهم بحمايته لهم من إعتداءات الجنود  الإسرائيليين وما قدمه لهم من خدمات في مقاومتهم السرية  .

يعود سليم كي يحضر جنازة أبيه الذي تاق لعودته تلك، ويرفض أن تطبع صورا لأبيه لتوزع في أنحاء المخيم كبقية الشهداء لا يريد لأبيه أن يُختزل في بوستر، يقول سليم “ثم إنه ليس بطلاً بل ضحية” ينخرط سليم في مرافعة ونقاش طويلين مع نصر، ممثل النضال الشبابي المتواصل في الرواية، حول معنى ومغزى البطولة التي لم يخترها نعيم يغضب نصر من نزق سليم وفلسفته ورفضه لفكرة البوستر، فنعيم أحق أهل المخيم ببوستر يليق به وهو الذي كان قد صمم بوسترات لكل شهداء المخيم وغيرهم٬ لم يكن هذا نقاشاً عابراً، بل يتمحور ويصير جوهر الرواية .

بموت  “نعيم “تتغير تفاصيل حياة سكان المخيم، عندما يستصدر  العميد صبحي قرار من حكومة غزة يقضي بهدم البيوت على التلة واستثمار الارض في مشاريع تفيد المخيم٬  مول كبير، ومسجد كبير، ومركز شرطة كبير. المشروع كله قائم على الفساد والمستفيد الاكبر منه هو خميس، الذي صار البزنس جزءاً من حياته٬ بعدما فارق المقاومة و صار يجاهد في تجارة الانفاق، العميد صبحي مستفيد ايضا لأن خميس وعده بعدة محلات في المول. اما مركز الشرطة والمسجد فكأنهما الحارسان او المُشرعان الضروريان لوجود المول: الاول يمنح الحماية الامنية، والثاني يمنح الشرعية الدينية. صمدت التلة في وجه اسرائيل لأن الناس كانت تعرف انها تواجه عدواً واضحاً، سقطت التلة يوم ضاعت البوصلة بين المول والمسجد والمخفر، وما عاد احد يواجه عدوا واضحا.

هنا يبرز الصراع ما بين أهالي المخيم دفاعاً عن قداسة هذه التلة، وما بين السلطة، في مشهد ينتهي بصراع ميداني على التلة، وكأنه يحاكي حالة الانقسام الفلسطيني ٬ الغريب في الرواية انها تبدأ بحرب وتنتهى بحرب، وفى تفاصيل بدايتها جنازة وفى تفاصيل نهايتها جنازة ايضا .

نجح أبو سيف في تعقب العقود الثلاثة الأخيرة من عمر القضية الفسطينية  من لحظة اللجوء الاولى إلى تلاحق الحروب، ثم الانتفاضات، وقيام السلطة الفلسطينية في منتصف التسعينات، وصولا الى الانقسام وسيطرة حماس على قطاع غزة ٬تتبدل بعض ملامح الحيوات لكنها تظل معلقة، جميعها برسم الإنتظار: إنتظارالسجناء حتى يخرجوا، والمسافرين حتى يعودوا، والصغار حتى يكبروا، والكبار حتى يموتوا.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى