التخطي إلى شريط الأدوات
أخبارلقاءات وحوارات

شكرى المبخوت: المسألة الدينيّة عندنا تحتاج إلى معالجة ثقافيّة جذريّة «حوار»

حوار: نضال ممدوح

 

أعلنت منذ قليل جائزة البوكر التي ذهبت للكاتب التونسي شكري المبخوت، وهو من من مواليد تونس عام 1962. حاصل على دكتوراة الدولة في الآداب من كلية الآداب بمنوبة ويعمل رئيسا لجامعة منوبة. عضو في العديد من هيئات تحرير مجلات محكّمة منها مجلة “إيلا” التي يصدرها معهد الآداب العربية بتونس ومجلة Romano Arabica التي يصدرها مركز الدراسات العربية التابع لجامعة بوخارست، رومانيا. له العديد من الإصدرات في النقد الأدبي. “الطلياني” روايته الأولى. التي يسيطر على أحداثَها لغزُ اعتداء في مقبرة استهدف به عبد النّاصر، الملقب بـ”الطّلياني”، جارَه إمام المسجد خلال دفن والده الحاج محمود أمام ذهول المعزّين. فيتكفّل الراوي بتقصّي دوافع تلك الحادثة من خلال إعادة بناء الذاكرة الجريحة لـصديقه الطلياني مستعيدا وقائع تمتدّ من طفولته إلى ليلة الحادثة.

وسبق أن نشرت جريدة القاهرة فى عدد شهر مارس 2015 حوار مع الكاتب بعد وصوله للقائمة القصيرة أجرته نضال ممدوح ونعيد نشره مرة اخرى على موقع كتب وكتاب.

ــ كيف إستقبلت نبأ وصول ” الطلياني ” إلي القائمة القصيرة للبوكر وهل كنت تتوقع الفوز ؟

بكثير من الفرح والابتهاج طبعا. فهو اعتراف أدبيّ مهمّ من جائزة ذات تقاليد وأساليب في العمل مهنيّة. والحقّ انّ ذلك كان في تقديري متوقّعا لأنّ “الطلياني” كتبت بأسلوب مميّز مشوّق فجاءت شخصيّاتها مركّبة وعالمها فاتنا.

ترصد “الطلياني ” مأزق اليسار بين مثاليته الحالمة وبين قيح الواقع ٬ فكيف ترصد واقع التيار اليساري اليوم في تونس وهل يتشابه في دفاعه عن مصالح تيار اليمين المتطرف سواء من الإخوان المسلمين أو غيرهم من التنظيمات الإرهابية كما هو حادث في مصر حاليا ؟

ما أسميته مأزق اليسار يعود في تونس إلى سنوات من التشرذم الداخليّ ومن عسف الاستبداد. فقد قضت السياسات السابقة على كلّ نفس سياسيّ معارض من اليسار والوسط علاوة على الإسلام السياسيّ وعملت على إبعاد الناس عن الشأن العام. لذلك فكلّ الطبقة السياسيّة في تونس وجدت نفسها في حالة ارتباك حين اتسع فضاء الحرّيّة وانفتحت أبواب المشاركة السياسيّة. ولكنّ اليسار التونسيّ بعد الثورة عاش التناقض الحادّ مع الإسلام السياسيّ الذي صار قوّة ضاربة سرعان ما تراجعت أمام قوّة المجتمع المدنيّ التونسيّ الذي رأى مدنيّة الدولة مهدّدة وأمام المرأة التونسيّة التي رأت مكاسبها مهدّدة أيضا. واعتقادي أنّ كلّا منهما أي المجتمع المدني والمرأة هما اللّذان مثّلا الاحتجاج الداخليّ الذي أدّى إلى تراجع الإسلام السياسيّ في تونس. واليسار اليوم مدعوّ إلى مراجعات عميقة بدا فيها بشيء من الاحتشام ولكن لا خيار آخر له.

ــــ في رواية ” الطلياني ” تعري كواليس عالم الجامعة والصحافة وما يجري في كواليس خشبة المسرح من صفقات ومؤامرات تتشابه كثيرا مع مثيلاتها في العالم العربي وتعكس علاقة المثقف بالسلطة الملتبسة ٬ خبرنا أكثر عن الأمر ـــ متي يتحرر العقل العربي من أسر الدين كمحرك في الحياة وعائق أمام المستقبل؟

ما رسمته في الطلياني صورة ممّا تنتجه آلة الدكتاتوريّة من تشوّهات في الذات الإنسانيّة وفي المؤّسسات ومنها الصحافة والجامعة. وهي تشوّهات حين نتأمّلها تمثّل مادّة مهمّة للكشف عن تردّدات الإنسان في سياقه من جهة وفي فهم الأسباب التي تجعل واقعنا لا ينتج أبطالا بالمعنى المتسامي للكلمة. فجميع “أبطال” الطلياني إذا صحّ التعبير هم أبطال الخيبات والانكسارات والذوات المهشّمة. هذا واقعنا في تونس وفي غير تونس. إنّها حالات إنسانيّة مهمّة ينبغي أن تصوّرها الرواية لأنّها أرشيفنا النفسيّ والوجداني والعقليّ الذي يقول حقيقتنا بلغة الفنّ. وما سمّيته في سؤالك العقل العربيّ في حقيقة أمره ليس هو الإشكال ولا الدين في يتيحه من إشباع نفسيّ وروحيّ. بل الإشكال الذي تطرحه رواية الطلياني هو: هل يمكن أن نبني مجتمعا متوازنا منفتحا ثريّا بذوات مجروحة مهشّمة تتوق إلى حرّيتها فلا تجد إلاّ الاستبداد والقهر؟ هذا هو السؤال عندي. والقهر قد يمسّ كلّ جوانب الحياة من إدارة الشأن العام إلى التحكّم في الشأن الديني وتوظيفه  إلى الجسد وسياسته بمنطق العار والإذلال إلى اللّغة الخشبيّة التي تمنعنا من قول الحرّيّة..إلخ

كيف ترصد حصيلة ال ٤ سنوات ما بين صرخة المواطن التونسي الذي صرخ فرحا بسقوط زين العابدين وإنتصار ثورة الياسمين ٬ وهل تري ان هناك تشابها ما بين المشهدين المصري والتونسي ؟

الحصيلة ألخّصها في صورة شعب يتهجّى الحرّيّة فيتلعثم ويعيد القول فيخفق ولا يبين ثمّ يراجع قوله فيمهمه.. وفي خلال هذه التهجية تبرز المخاوف والصعوبات وخيبات الأمل والأحلام المجنّحة والحزن العميق والفرح بالانعتاق… أي خليط من المشاعر. ولكنّ صعوبات تهجئة الحرّيّة أفضل من الثرثرة الكاذبة التي يفرضها الاستبداد. وهذا في تقديري ما يجمع الحالتين التونسيّة والمصريّة. مازلنا نبحث عن السبل المفضية إلى الحرّيّة في سياق إقليميّ صعب وخطط دوليّة غير بيّنة تماما علاوة على أمراضنا الداخليّة التي تعيقنا عن التحليق بعيدا في هذه السماء التي انفتحت أمامنا.

ــــ هل تري ان هناك علاقة بين ثورات الربيع العربي وإستشراء سرطان المد الديني المتطرف في صورة ” الدواعش ” أم أنهم إمتداد لتنظيم القاعدة صنيعة المخابرات الغربية ؟

لا أعرف على وجه ما هو التوصيف السياسيّ المناسب ولكنّ الثابت أنّ المسألة الدينيّة عندنا أصبحت تحتاج أكثر من ذي قبل إلى معالجة ثقافيّة جذريّة. لست ممّن يرى المشكلة في الدين. فهو متن يشرحه الفهم الثاقب ورعاية المصالح والتفكير النقديّ بما وصلت إليه أدوات الفهم ووسائل التأويل اليوم . إنّه مشروع التنوير العربيّ المجهض رغم كلّ ما تحقّق. وما نسمّيه مدّا دينيا متطرّفا ليس إلاّ التعبير السياسيّ عندي (وأكرّر إنه ليس تعبيرا دينيّا) عن حالة الجهل والفقر والمرض والتهميش وفقدان الحرّيّة وانعدام قيم المواطنة. إنّه توظيف مبتور للنصّ الدينيّ وللوجدان الدينيّ بإدخاله في الصراع السياسيّ ولعبة المصالح. وهذا يمكن أن يوظّفه أيّ طرف يرى مصلحة في ذلك سواء أكانوا أفرادا أم مجموعات أم دولا أم مخابرات… فما الذي تنتظرين من أبناء الجهل والفقر والتهميش؟

 

ــــ ماذا تمثل الجوائز الأدبية للكاتب وهل هي ذات مغزي وأهمية للمبدع أكثر أم إحتفاء القارئ ؟

نعم تهمّ المبدع لأنّها تضع منجزه في سياق مقارنة مع منجزات مبدعين آخرين خصوصا أنّ الرواية العربيّة تتطوّر كمّا ونوعا بشكل مذهل وفيها أعمال كثيرة رائقة مهمّة. وحين تجد روايتك موقعا لها بين الأعمال التي يصطفيها قرّاء نابهون يقظون ونقاّد ملمّون بالفنّ الروائيّ لا يمكنك ألّا أن تشعر بما اعتبرته اعترافا أدبيّا. وهذا الاعتراف هو احتفاء القارئ أيضا بعملك ودفع لقرّاء آخرين حتّى يطّلعوا على ما كتبت. فمن دور الجوائز الأدبيّة، بعيدا عن نرجسيّة الكاتب، هو التنبيه إلى ما ينبغي الاهتمام به من الروايات. وهذا يسعد أيّ مؤلّف.

ـــ هل طالعت أيا من الروايات المصرية التي نافست ” الطلياني ” في القائمة الطويلة وما رأيك في الرواية المصرية ؟

للأسف لم أتمكّن من الاطّلاع إلاّ على بعض الأعمال المتنافسة في القائمة الطويلة للبوكر وليس منها أيّ رواية مصريّة. وهذا تقصير منّي ولا شكّ. أما الرواية المصريّة عامّة فهي من الروايات القليلة التي استطاعت في المشهد الثقافيّ والأدبيّ العربيّ أن تصبح مؤسّسة أدبيّة قائمة الذات. وليس ذلك بحكم وجود عباقرة في الفنّ السرديّ أمتعونا وفتحوا أعيننا على عوالم مدهشة فحسب بل لوجود حركة نشر قويّة ومتابعة صحفيّة ونقديّة محترمة ومنظومة ثقافيّة متكاملة. وفي مصر اليوم كتّاب كبار وأساتذة في فنّ السرد. لا أحبّ أن اسمّي حتى لا أظلم المتفوّقين الجيّدين بنسيان أيّ واحد منهم. ومن المؤسف حقّا أن تغيب الرواية المصريّة من القائمة القصيرة لهذا العام. ربّما يعود ذلك إلى أنّ اعمالا أخرى مهمّة لم ترشّحها للجائزة دور النشر التي أصدرتها. ولكنّ هذا لا يقلّل في شيء من مكانة الإبداع الروائيّ المصريّ وقد توّج مبدعون مصريّون من قبل بالبوكر. ولعلّ في هذا فائدة أخرى وهي التنبيه إلى تطوّر الفنّ الروائيّ في بلدان عربيّة أخرى.

ـــ هل نعيش زمن الرواية وما رأيك في إنها صارت ديوان العرب ؟

هذا واقع لا جدال فيه. وهي ليست ديوان العرب فقط بل ديوان الإنسانيّة كلّها فالرواية تتطوّر في العالم كلّه ربّما لقدرتها على التقاط تفاصيل عذابات الإنسان والتعبير عن الخصوصيّ والمتصارع في الوجدان والمجتمعات. ولكن من سلبيّاته تراجع دور النشر عن الاهتمام بالقصّة القصيرة وبالشعر بالخصوص. أصبحت دور النشر لا تقبل إلاّ الروايات.

ــــ هل تواكب الحركة النقدية في العالم العربي المنتج الثقافي الكتابي منه تحديدا ؟

جلّ المتابعات ذات طابع صحفيّ محكوم بالتفاعل العاجل على إيقاع النشر الصحفيّ. أمّا الدراسات الجادّة القادرة على استكشاف التوجّهات الجماليّة الفنيّة والفكريّة الجديدة فمحدود جدّا. لقد تطوّرت الرواية أكثر من النقد بأشواط. فالنقد معرفة وحال المعرفة في العالم العربيّ على ما تعرفين من تراجع وانغلاق على المقولات الجاهزة في الأغلب الأعمّ.

ــــ ما جديد المبخوت ومتي سيصدر وأين ؟

لي روايتان جاهزتان سأصدر الأولى هذه السنة والثانية في السنة المقبلة وهي بمثابة جزء ثان من “الطلياني” تمسح فترة التسعينات في تونس.

ــ رسالة توجهها إلي الشعب المصري خاصة مثقفيه ؟

لا رسالة خاصّة لي.. فقط أقول لأحبابنا وأصدقائنا في مصر لئن كنّا كلّنا في الهمّ شرقا فنحن كذلك في شوقنا إلى الحرّية والمواطنة الكاملة. الطريق صعبة شائكة ولكنّ لا بدّ من السير فيها حتّى نبقي على بصيص الأمل ولا نجد أنفسنا على حافة الجنون أو في وضع المستعدّ للانتحار.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى