التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

شوق الحسن في رواية “شوق الدرويش”

كتبت: سارة البدري

شوق الدرويش الكبير ليس الشوق الذي نعلم، ليس شوقًا لامرأة! الشوق في هذه الرواية كما رأيته -رغم تعدد دراويشها- هو شوق لمعرفة الحق. -وليس الحقيقة- والدرويش الرئيسي ليس البطل الذي يحتل المساحة الأكبر، بل البطل الثاني، شوق “الحسن” الذي لم ينقطع منذ بداية الرواية وحتى النهاية مع الفارق! فشوقه في البداية كان لجهاد يبقيه تساؤل عن متى سينتصر الحق، وبعد دخوله في الجهاد، توقف مشتاقًا لاهثًا لمعرفة: هل ما يفعله هو الحق؟

تلك الرواية البديعة التي استطاع صاحبها -لم أعرف بعد كيف- أن يجعل من البطل الرئيسي شخص لا معرفة لديه إلا ما يقولونه له! بطل غرق في الرق مرغمًا ثم مختارًا طوال الرواية، رق العبودية، ثم رق العشق، ثم رق الانتقام!

فقصتنا ليست قصة حب عظيمة كما أن فيلم التيتانيك ليس قصة حب عظيمة، الحب فيها خلفية مثيرة ليس إلا، والثورة المهدية هي المراد.

هذه رواية صادمة!.. حقًا هي تكشف ما يمكن أن نظل في غفلة عنه رغم وضوحه البالغ.

نعم نحن العرب والمسلمون استعبدنا عربا ومسلمين مثلنا. أجل لم نكن مجرد محررين مساعدين نتكبر بجمائلنا.. بل فعلنا مثل المحتل ونظرنا للسودانيين نظرة السيد للعبد وليتنا كنا المحتل لكان أهون!!

التفاصيل الصغيرة المتقنة في الرواية لا يمكن حصرها، من امرأة تنتظر عودة زوجها الخارج في سبيل المهدي في مكان مقفر ولم تعلم أن المهدي بذاته مات أصلا!.. لخادمة تبارك الثورة المنتظرة بكل كيانها وتجاهر بكفر مخدوميها المسيحيين ثم تكون أول من يقتلها الجند! لزوجة الحسن التي تبذل له عشقًا عظيمًا لكنها تقول: لا تدعني بينك وبين ربك! فيطلّقها في سبيل الجهاد.

قد نتساءل فور وقوعنا على رواية تاريخية، كيف يختار كاتبها حقبة بذاتها؟.. أمام هذا العمل نحن نرى إجابة مرضية حيث أن القارئ في ظرفنا هذا وأقصد الربيع العربي المزعوم، لهو أحوج ما يكون لقراءة هذه الرواية بكل تفاصيلها ورسائلها.

في الرواية فكرة عظيمة، حولنا دائمًا دون أن ندركها: استفحال الظلم يولد استفحالًا للظلم أيضًا! فالذين ثاروا ضد الظلم الفاحش، إنما قتلوا وذبحوا بجنون أيضًا، ظنًا منهم أنهم المخلصون.. المؤمنون بالفكرة بعد أن تقع أيديهم على النصر تذهب عقولهم!!.. ليس عن الزعماء أتكلم!

في الرواية شيخ قذر يعذب المسيحية التي استعبدها بوحشية، ويحلم أن يغزو العالم ليذوق كل النساء، لكنه أمام الحسن وبكل ثقة وصدق يحدثه عن الجهاد والشهادة والنصر!.. نفس الشخص تفوق في الأمرين! لقد اعتقدت أنا أن الرجل المؤمن -الحسن- سيكشف حقيقته بفطنته، إلا أن الكاتب كان أكثر فطنة إذ يبدو هذا الذئب غاية في الإقناع والصدق والطهر!

الأجمل حقًا أن الكاتب رغم ذلك لم يقع في فخ مهاجمة الإسلاميين الخرقاء، فطنته أيضًا اختارت أن يكون معلم الحسن شيخ أيضًا.. لكنه يقول له: “احذر يا ولدي، فمن الإيمان ما يهلك كالكفر!”.

حمور زيادة جعل القارئ قبل قراءته شخص، وبعد قراءته شخص آخر!.. هذا الكاتب نجح في أن يجعلنا نقف متفرجين مقيدين أمام أقسى معاني العبودية!!.. استعباد صبي أسود لا يذكر أهله، وبيعه في سوق النخاسة كحيوان، ليس للحراسة أو للجمال منظرًا هذا الحيوان، بل للخدمة. ونكتشف رويدًا أن هناك ما يفوق الخدمة بمعنى العمل الشاق، هناك خدمة أكثر إذلال لصاحبها وهي إشباع جسد! وهل يعذب البطل داخل عقده النفسية جراء هذه التجربة؟.. أبدًا! الألم النفسي كما أوضح- رفاهية ليست في حسابات هؤلاء.. ألم أقُل أنها رواية صادمة؟!

حتى المصريين -نحن- كنا نراهم مجرد عبيد وخدم، ونفهم لون البشر كما يفهمه البيض تمامًا، ثم نغضب لعنصرية البيض معنا!!

لم يَعِب الرواية في نظري سوى البناء، بناءها مُرهق للقارئ، وهو شيء أحاسب عليه الكاتب لأنه مسئول عن توصيل كل كلمة لهذا الجيل بالذات.

حمور زيادة.. أهلا بك في قائمة من أقدرهم..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة