التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

ممر الصفصاف .. نص المكان بامتياز

كتبت: نضال ممدوح

“ممر الصفصاف” هي الرواية الثالثة عشر في الأعمال الروائية للكاتب المغربي “أحمد المديني”،  تسرد حكاية حيّ جديد يولد من رحم مدينة مغربية قديمة٬ مدينة تحفل بناسها، وعيشها، كما تتقلب في أسرارها. هي قصتهم وهم يحاولون العيش ما استطاعوا إلى جوار، وتحت رحمة بشر سلوكهم البَطرُ والطغيان. بجوارهم كائنات حيوانية، لكن بروح الإنسان، تسعى بدورها للعيش في أمان.

“ممر الصفصاف” توضح الصراع الذي يحدث بين حارس المبنى الجديد وبين أهل البلدة الذين يرغبون في التمسك بأرضهم والذكريات الخاصة لهم بها والرغبة في العيش بداخلها٬ بوصفها رمزا لحق الفرد في الوجود، في بلاد تُنتزع فيها الحياة بالمحنة، مثلما يكبُر فيها العُتاة على حساب محنة المغلوبين.

في هذه الرواية يتوسّط كائن ثالث مسعى حق العيش وهو القارئ / المتلقي، ليستفرد ببطولة استثنائية، تجعل من هذا العمل متوالية من الحكايات والأحداث الفريدة، وممتلئا بالمغامرة و اللغز، ومحرِّضا على قراءة كلما تقدمتَ فيها  اكتشفتَ خيالا مثيرا، وبَهَرَكَ واقعٌ أغرب من الخيال.

وكما يلتقي في هذه الرواية عالمان يتصارعان تارة، وأخرى يتعايشان، كذلك هي كتابتُها تتراوح بين معمار وأسلوب معتمَدين، وثان مُولّد، بين النثرية المعيِّنة والشعرية الموحية والمجنّحة،بين السرد والتشخيص، فالاستبطان والإيحاء والاستيهام، وتعدد البؤر والأصوات، مستلهمة بهذا صيغ الرواية الحديثة، يطور فيها أحمد المديني فنيةً له فيها سجل حافل، ومشهود له بتاريخ وامتدادت، عربية وأجنبية.”

استوحى “المديني” هذه الرواية من حي حديث النشأة والبناء والتكوين، عمرانيا وبشريا، في مدينة الرباط، وذلك من خلال صدفة عجيبة تكونت في علاقة أقامها مع كائن أراد للقارئ أن يكتشفه داخل روايته٬  والمدينة هنا في رواية “ممر الصفصاف” هي التي تنتج العلاقات المتشابكة والمتناقضة والعلاقات الرأسمالية والاقتصادية والعلاقات التي يصبح الإنسان فيها جزأ من مشاكل وضياع وأزمات نفسية ويبحث دائما كيف يلبي حاجاته وأحلامه وطموحاته.

في “ممر الصفصاف” تحضر المدينة مكانا حافلا بالأحداث، هي بطل وذاكرة ومهرب ومنفى٬  تحضر فيها الدار البيضاء مرسومة طبوغرافيا، وتنتقل الشخوص في أحيائها القديمة والجديدة وهي تتكلم لغويا ورمزيا سيرها في رحلة وجود عَصِيّ هو وجود المدينة ذاتها، وموثقة تاريخيا، بحكم الإحالات إلى جذورها الضاربة في القدم، متراوحة بين تليدها وطريفها، غابرها المنسي، وحاضرها المشحون، بما يعني أن البحث عن الخلاص والتمرد لدى الشخصيات الفاعلة هو بحث عريق، وبسبب التبدل والعوائق القائمة فيها هو إشكالي، لذلك يميل المؤلف إلى تكسير صلابة الواقع وعناده ضد التغيير بالتحليق في سماء المحكي الأسطوري والصوفي، يعطي سمكا للتكوين المادي، وهو يستحضر ذاكرة المكان في الوعي والوجدان

ممر الصفصاف  نص المكان بامتياز حيث ألعب لأول مرة لعبة انبثاق معمار وشكل رواية بتعالق وتناسج بين كائن إنساني وآخر حيوان، كلاهما يبحث عن وجود لائق في مدينة، حي جديد في الرباط، يشيد في ظروف غير لائقة

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى