التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

العصعص.. محاكمة لأنماط الوعي السائدة في المجتمع الكويتي

كتبت: نضال ممدوح

نضال ممدوح
نضال ممدوح

 

 

 

تتناول رواية “العصعص” للكاتبة الكويتية ليلى العثمان الصادرة عام 2013، والتي خاضت معارك شرسة مع الإسلاميين في الكويت على خلفية كتاباتها التي تعرضت للمنع٬  قصة الطفل “سلوم” الذي يرى والده يمارس الجنس مع أمه، فتصيبه عقدة نفسية من ظنه أن والده قد نبت له ذيل، ما جعله يقوم بقطع ذيول القطط كلها. سلوم يسبب لأسرته متاعب كبيرة، بسبب ولعه بقص ذيول الحيوانات. وتصف ليلى ذلك في الرواية: “ما تاب سلوم.. بعد أسبوع كانت سكينة تحشّ عصعص كلبة أم صلوح. دخلت عليهم في ظهيرة حارقة وهي تدلدل ذيل كلبتها قاطراً بالدم”٬ في مرحلة لاحقة، يقوم سلوم بالتصدي لكلّ مظاهر الخروج  عن الطبيعي وغير المألوف، المتمثّلة بتصرّفات الغشّاشين والكذابين الأفاقين، لا سيّما فطوم وأمها فرزانة، فلعلّه ناجم عن رفض نفس-فكري لكل ما يخلّ بانتظام الأمور في إطارها الطبيعي٬ وهو الموقف الذي تتبناه الكاتبة، فنجد أن عائـشة زوجة جد سلوم التي كادت لضرّتها شمّة وأجهضتها مراراً، ينتهي بها المطاف بالموت احتراقاً، وقمرية المرأة العاهرة التي تغوي الرجال وتهينهم يتم ترحيلها إلى المكان الذي قدمت منه، وأبو هوّاش العجوز الأجرب يفتح فخذيه ويـخرج عـــورته للمارّة ويموت، وفرزانة وابنتها فطوم تفرّان تحت جنح الظلام بعد تورّطهما في مقتل أبي هـوّاش وتقييد سلوم، ممّا يمكن استنتاجه من سياق الأحداث.

في المقابل أكدت على قيمة الترابط الأسري، والتي تظهر من خلال تتبع سيرة عائلة “جسوم” وعلاقة الأبوين مع الأبناء، وحتى بعد موت الأبوين، عبر علاقة “نوره” مع أخيها “معيوف” والتي تؤثر نفسها عليه، كابتة رغباتها الجسدية والنفسية في الزواج، إلى أن يتزوج أخوها، لأنها ترى نفسها مسؤولة عنه وفي موقع “الأم” .

لم تتناول الكاتبة الجنس بوصفه قيمة أساسية في النص، بمعنى أن النص لم يرتكز على الجنس، ولم يستخدمه لتمرير السرد. بل حضر الجنس في مواضع محدودة، وبشكل خجول ومؤدب جدا، استخدمت فيه العثمان الكناية أكثر من التصريح، غير متناولة إياه بشكل مباشر. وحتى في المقطع الأسخن جنسياً، بين “معيوف” و”قمرية”، لم يُكتب هذا المشهد بابتذال، وصراحة مكشوفة، بل حاولت قدر الإمكان أن يكون مواربا٬ وربما كان اعتراض الرقابة الكويتية عام 2013 في الكويت على هذه الرواية وطلبها من العثمان حذف 35 صفحة من الرواية، لا يستند علي منطقية سوى أن تخلي نفسها من مواجهة محتملة مع “الإسلاميين” الذين ضاقوا ذرعا بالعثمان وكتاباتها.

مشاهد الرواية، جاءت تلقائية، والشخصيات ترك لها هامشها دون تدخل من الكاتبة، مما منحها حرية وفسحة أكبر للتحرك والنمو، وهو ما يلحظ في مجمل الرواية، خاصة في مشهدين: الأول، عندما تحدثت عن “الليلة الأولى”، “ليلة الزفاف” اتسمت  بالفضائحية الذكورية، وموقف الفتاة فيها. والثاني: عندما تحدثت عن “العصعص” بوصفه سلوكا اجتماعيا، ساردة نماذج تدلل بها على تفسيرها، وهي في هذين الموضعين وقعت في فخ المباشرة والخطابية.

أكدت “العثمان” على أهمية الماضي في تشكيل الحاضر، بمعنى الصور المختزنة في اللاوعي، والتي تتحكم في السلوك الواعي للإنسان٬ فمعيوف وزوجته يتوصلان معاً الى سر كره سلوم لكل “عصعص” يراه، إذ كان قد رأى أبيه عارياً من قبل وتصور أنه قد نما له “عصعص” ونتيجة لرفضه صورة أبيه بهذا الشكل، لا يتوانى عن قطع أي عصعص يراه.

تلك هي “عصعص” ليلى العثمان، بما تحمل من قيم فاضلة ونبيلة، وترسخ من ذاكرة خليجية شعبية يحن لها الكثيرون .

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى