التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

“النسيان”..رواية عن الانتقام والتسامح وسيرة الانتهاكات ضد المعارضين

كتب: وجدي الكومي

وجدي الكومي
وجدي الكومي

 

 

 

هي رواية عن توحد الديكتاتورية فى كولمبيا مع رجال الدين ضد إرادة الثوار الحرة، هي أيضا رواية عن كفاح الأفكار الحرة فى مواجهة الظلامية والثيوقراطية، هي كذلك رواية عن ضرورة التسامح والغفران والعفو عن كل ما سبق، عدة تيمات مختلفة تدور حولها رواية النسيان الصادرة ترجمتها عام 2014 عن دار العربي للنشر للروائي الكولمبي “أكتور أباد فاسيولينسي” والتي ترجمها المترجم الشاب مارك جمال، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة رفاعة الطهطاوي التي ينظمها المركز القومي للترجمة.

تغطي الرواية مساحة عريضة من تاريخ كولمبيا فترة الثمانينات وقت أن ساد العنف والقتل والمواجهات الدموية، محل الحوار والتفاهم، وتقارع الأفكار، وتروى الرواية على لسان بطلها سيرة الأب الذي كان طبيبا وجامعيا، وحقوقيا يتصدي بالكلمة والنضال السلمي للأفكار البالية الدكتاتورية لدي السلطة،وعلى الرغم من معرفة الأب والأسرة بالمصير المحدق به، نتيجة إصراره على مواصلة هذا النضال السلمي، وهو المصير الذي تسلط عليه الرواية ضوئها حيث شاعت الاغتيالات السياسية لمعارضي النظام،ينقلنا أكتور آباد إلى هذه السنين الدموية، بقلم ماهر، نجح فى تصوير مشاعر الخوف والرعب الذي تشعر به الأسرة من انتظار مصير الاغتيال والذي يقع بالفعل فى نهاية المطاف، والأب القوي الذي يتحدي   كل المضايقات والحصار المستمر لأفكاره فى الجامعة وفى الأنشطة الحقوقية الأخرى، قبل أن يسقط بشجاعة صريعا، ويظل اغتياله علامة على قوته فى وجه خسة خصومه.

نرصد هنا فى الرواية  إذا أمكن أن نسميه “أدب الآباء” لن نكون مبالغين..أعلم أن البعض سيعتبرني مبالغا، أو مارقا، هناك أعمال روائية، تحتفي بالأب، تدور الأحداث تقريبا حول ذكري الأب، حول الأب في حياة ابنه، من هذه الأعمال رواية “النسيان” المفاجأة في هذه الرواية، أن هذا الروائي يخالف كل ما كنا نظن أن الكلام انتهي فيه، بالنسبة لعلاقة الأب بابنه، في هذه الرواية لدينا طفل يقول لأبيه:”بابا لا تحبني إلي هذا الحد” ولدينا أب فلسفته عن تربية الأبناء تتمثل في أن يسعي إلي إسعادهم إذا أرادوا أن يكونوا أفضل حالا” هل يوجد أبسط من ذلك في العلاقة بين الآباء والأبناء، لدينا في هذه الرواية أب “إخصائي صحة” لا يطيق أي تلوث بأجساد أبناءه، وهو الجانب الآخر للأب السياسي المعارض الخصم العتيد للسلطة المارقة، يقول اكتور فى الرواية: كل منا لا يطيق رؤية أبناءه ملوثين، لكن التعبير عن هذه الفكرة بنسبتها إلي مهنة “الأب” ربما يراه البعض مبالغا، لكن المنطق الفني يغلب في هذه السطور، أنه طبيب، ومن الطبيعي ألا يهمل في حياة أبناءه، الصحية، أنه يتعامل معهم من منطلق مهنته :”كان يرغمنا علي غسيل أيدينا وتنظيف أظافرنا في طقوس تكاد تبدو كأنها تحضيرات لعملية جراحية”.
شيء آخر يستوقفنا في هذه الرواية ، الابن يتحدث عن تضحية أبيه بماله وبكل ما لديه من آجل الآخرين، تشعر هنا أن شخصية الأب قريبة من الآباء الذين حفلت بهم أعمال “خيري شلبي” أو “يوسف إدريس” هناك أب يفتح بابه دائما لتسليف الآخرين، ولمساعدتهم بنقوده، حتي آخر ورقة فيها، يقول بطل “النسيان” عن أبيه:”مرض ذات يوم، ولم يتمكن من الذهاب إلي الجامعة، فشعر بالأسف، لأن طلابا كثيرين سيدفعون أجرة الأتوبيس وسيذهبون إلي قاعة المحاضرات سدي”

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى