التخطي إلى شريط الأدوات
سينما

“رسائل البحر” آدم الحداثي والعهد الآتي

كتب: محمد ماهر بسيوني

 

كلما شاهدت فيلما لـ “داود عبد السيد” أو أعدت مشاهدته، يعاودني شعور يقيني، بأنه فيلسوف مشغول بالسؤال المركزي في الفلسفة، ألا وهو سؤال الوجود والحياة، وقد اتخذ من السينما واسطة يعرض لنا عن طريقها رؤيته للعالم، كما اتخذ أفلاطون من تقنية الحوار المسرحي وسيلة لعرض فلسفته.

تنتمي سينما “داود عبد السيد” إلى ما يسمى “سينما المؤلف”، حيث يتم الجمع فيها – من قِبَل المخرج – بين الإخراج والتأليف أو كتابة السيناريو والحوار على أقل تقدير إذا كان النص السينمائي مأخوذا عن عمل أدبي.

هذه الهيمنة على كل من التأليف والإخراج؛ تضمن الانسجام الكامل ما بين الأفكار التي يريد المؤلف طرحها وبين طريقة تنفيذها وإيصالها بأكبر درجة من الحرص والأمانة؛ فوضوح الفكرة في ذهن المخرج؛ يضمن وصولها بأكبر درجة ممكنة من الوضوح للمشاهد.

ولذا نجد “داود” كثيرا ما يستخدم تقنياتٍ روائية في أفلامه، على الرغم من تمكنه من تقنيات الصورة السينمائية؛ فنجده مثلا يستخدم تقنية الراوي العليم في فيلم “مواطن ومخبر وحرامي” وتقنية الراوي المشارك في فيلم “أرض الخوف” وتقنية تعدد الرواة (تعدد الأصوات) في فيلمه “رسائل البحر” الذي تدور حوله السطور القادمة.

تبدأ الأسئلة التي يطرحها الفيلم من اختيار عنوانه؛ فما المقصود بالرسائل، هل هي تلك الورقة الموضوعة في زجاجة أو قمقم مغلق؟ أم الرسائل هي كل ما يحيط بنا من أحداث وأشخاص، وهل يمكن اعتبارها علامات لها منطقها، أم هي فوضى بلا معنى؟ وما المقصود حقيقة بالبحر، هل هو تلك المساحة الهائلة من الماء المضطرب المالح الذي لا يروي العطش؟ أم أنه رمز لمعنى خفي وأكثر تعاليا؟ هل تأتي الرسائل من البحر أم أن البحر هو المَعْبَر ووسيلة الاتصال والمرسل كائن آخر؟ هل لدى الإنسان من يكاتبه أو يراسله حقا؟!

للإجابة على هذه الأسئلة يجب ملاحظة أن “داوود” يمزج بين ما هو واقعي وبين ما هو ميتافيزيقي، ويعيد صياغة أسئلة الإنسانية الوجودية في قالب حكائي بسيط يعتمد في تطوره سرديا على شخصيات قلقة تنتابها هواجس عميقة حول جدوى وجودها، معبرا بهذه النماذج عن تاريخ التطور العقلي والنفسي والروحي للجنس البشري.

يبدو المشهد الافتتاحي إعادة لبدء الخليقة، فالكاميرا تطالعنا بمشهد البحر المظلم في تكسر صفحته، واضطراب أمواجه، في مشهد يعيد لنا ذكرى فوضى العماء الأول، ثم تظهر طافية على سطحه قارورة زجاجية تحمل رسالة ورقية؛ فكأنها روح الله التي أخبرنا سفر التكوين التوراتي أنها كانت ترف على الماء، حين كان على وجه الغَمْر (البحر) ظلمة، نقطة انبلاج المعنى في خضم من الفوضى والظلمة المدلهمة.

لكن ليس كل إنسان قادر على تلقي رسالة البحر. فالغالبية ترفض استلام الرسالة -خشية الجهد الذي يتطلبه فك شفرات الرسالة وما يتبع ذلك من البدء في الدخول في التجربة – قانعة بالسير في مسار لا مغامرة فيه ولا مخاطرة؛ فحركة الرسالة على وجه المياه المعادلة لحركة الروح كما يري القديس “أمبروسيوس” إنما هي حركة حب مستمر لعمل خلاّق في حياة الإنسان. والعمل الخلّاق لا يكون إلا اختيارا من نفس تسعى للمغامرة وتجريب الجديد والانعتاق من الماضي المُعيق.من هنا يتم قراءة المشهد التالي باعتباره صياغة حداثية للعهد ما بين الله والإنسان.

فالعهدين القديم والجديد يرى في الإنسان حاملا للخطيئة، وأن خروجه من فردوس عدن كان سقوطا جبريا باعتباره عقوبة على الخطيئة الأصلية. وأن على الإنسان أن يشقى في الأرض حتى يكفر عن خطيئته ويكون جديرا بالصعود إلى الفردوس السماوي.

لكن “آدم” الجديد (“يحيى” – قام بدوره “آسر يس”) هو الذي يطلب الهبوط من جنة عدن إلى الأرض (اختار لها السيناريو أن يكون معادلها الموضوعي مدينة الإسكندرية، وهو في رأيي اختيار موفق؛ فهي مدينة كوزموبليتانية تعايشت فيها على مدى العصور ديانات وفلسفات وعقائد وبشر من كل أجناس العالم، كأنها صورة مصغرة من الأرض) رغم التلويح له بالفردوس السماوي مباشرة (يرمز له طلب أخيه الأكبر منه السفر معه إلى أمريكا، وحين يفضل يحيى الذهاب إلى الإسكندرية يخبره أن عرض الذهاب لأمريكا سيظل قائما).

إن آدمنا الحداثي يرى أن عالم جنة عدن قد ضاق عليه؛ لذا فهو يسعى لرحابة الهبوط للأرض والدخول في مكابدة التجارب ومعاناة العمل الخلاق ولذة الكسب البسيط الناتجة عنه.

من هذا الفهم للمشهد الافتتاحي يمكننا تأويل باقي مشاهد الفيلم وأحداثه وشخصياته والمسار السردي لكل شخصية ولتفاعلهم مع بعضهم البعض.

 

آدم الحداثي ووعي المغامرة واللايقين

كان هبوط آدمنا الحداثي هبوطا اختياريا – وليس سقوطا عقابا على خطيئة كحال آدم التراثي – ولهذا فمن المتوقع ألا تتملكه الحالة النوستالجية المعروفة لبيت الأب ولا رحم الأم وأن يصفي وعيه من الحنين إلى الماضي تماما.

ولكن اللاوعي له ألاعيبه الخفية التي تجعله حاضرا ومتحكما في السلوك وإن بدا الوعي مسيطرا ويفرض سلطانه. فعلى الرغم من أنه يتطلع إلى حياة بلا قيود من الأوامر والنواهي ولا حتى التوجيه، مع الاستعداد لدفع ثمن تلك الحرية بتحمل الوحدة – فبخلاف آدم التراثي؛ فإن آدمنا الحداثي وحيد تماما؛ فحين هبوطه لم تكن بصحبته حواء لتؤنس وحشته – فإنه يتوقع أن هناك يدا مرشدة تعنى به وتنظم له حياته، وحين تمشي الأمور على غير ما يتوقع وتدهمه ضائقة مالية ناتجة عن عدم وصول التحويل المالي من أخيه وعدم قدرته على الصيد؛ فإنه يثور في وجه البحر متهما إياه بالعبث والفوضى. على الرغم من أن وعيه يجعله دائما مرحبا بالمغامرة وبذل الجهد وألا تكون هناك ضمانة مسبقة لأي عمل حتى لو كان هذا العمل هو الاستماع إلى الموسيقى؛ فهو يقول لنورا (عازفة البيانو التي أحبها وهو يظن أنها مومس) حين تهديه “استريو” لكي يستمع للموسيقى الكلاسيك التي يعشقها؛ أنه يفضل ألا يمتلكه؛ لإنه يريد أن يسبق سماعه للموسيقى جهدا مبذولا بحيث يكون فعل الاستماع مغامرة غير مأمونة العواقب؛ فمرة يكون الأوركسترا سيئا ومرة العزف هائل أو قائد الأوركسترا غير جيد، وحينا كل عاصر الفرقة ممتازة وعلى ما يرام.

وتتعدد تناقضات آدمنا نتيجة اصطراع وعيين داخله؛ أحدهما يشده للماضي ولقيم تقليدية يرفضها وعيه الآخر الذي يدفعه إلى اجتراح التجارب والخروج من وحدته، وهذا يفسر الجانب الأعظم من شهوته العارمة للدخول في تجارب كثيرة ـ حتى لو كانت مؤذية له – من أجل الاستمتاع بمسرات بسيطة ولكنها تمنح لحياته نشوة التجربة وبكارتها (مثل: شرب الخمر لأول مرة، والإنصات للموسيقى الليلية مجهولة العازف، وتأمل الألعاب النارية في سماء ليلة رأس السنة).

تتجسد تلك التناقضات في وقوعه في حب فتاة من ماضيه، أو تصوره أنه قد وقع في حبها، لأنه ما لبث أن أقلع عن هذا الحب دون تردد حينما أدرك أنها مثلية الجنس، بينما لا يستطيع أن يقلع عن حب نورا – حتى وهو يعتقد أنها مومس – ويريد الزواج منها.

إن ما يميز آدمنا أن نتيجة صراع وعييه؛ محسومة دائما لصالح وعي المستقبل والمغامرة والتساؤل، حتى لو لم يمنحه ذلك الوعي يقينا ما، فهو مثلا حين تصله رسالة البحر يظل يبحث عن معنى لها دون جدوى، ويعرضها على بشر من جنسيات مختلفة وألسنة مختلفة فلا يعرفون ترجمتها، رغم أنها مكتوبة بحروف لاتينية، وكأن رسالة البحر له: ليس عليك أن تفهم كلماتي، ولكن عليك ألا تكف عن المغامرة والبحث والسؤال.

وحين يسأل أحد ممثلي الوعي الماضوي (جارته الإيطالية العجوز) هل يتزوج نورا المومس أم لا؟ تقول له: “وليه تشتري التروماي وانت تقدر تدفع ثمن التذكرة؟”، هذا الرد الذي يعكس قيمة تعلي من المادي هي أيضا محور صراع آدمنا مع الحاج هاشم (مالك شقة الإسكندرية) الذي يريد إخراج السكان من عمارته ويستعمل في سبيل ذلك الوعد والوعيد والإغواء والتهديد (في مشهد يقوم بإعطاء آدمنا تفاحة رمز الإغواء ويرفض آدمنا أن يأكل منها – ورمز التفاحة رمز تكرر كثيرا في أعمال داوود عبد السيد السينمائية – فيتبعه بالوعيد ويبدأ في استغلال علاقة آدمنا بنورا في محاولة طرده من الشقة، وكأنه يحاول تلطيخه بالخطيئة ليطرده كما طُرِد آدم التراثي من الفردوس.

كان لابد لآدم الحداثي أن يدخل في تجربته الأرضية ليُصفَى وعيه من شوائب علقت به تحمل قيما قديمة وليكون جديرا بتلقي رسالة البحر له، وليجد حواءه التي تدعوه بدورها للانفتاح على وعي المغامرة وثقافة البحث والسؤال –لا تخبره قط أنها ليست مومس، ولا أنها هي نفسها عازفة البيانو – ولو منحه ذلك الوعي حالة اللايقين التي تدفعه للمزيد من المغامرة، بحيث تكون الرحلة هي الهدف لا محطة الوصول.

حين ينسى آدمنا ماضيه وماضي نورا، ويتخلى عن شقته ويهرب بها، حينها يجد فيها حواءه التي سيكمل معها مغامرته، حواءه التي تدفعه إلى التمسك برسالة البحر رغم عدم معرفته لما تحتويه، وحينها يرتقيان ليكونا آدم وحواء حداثيين، عرشهما على الماء، فوق الجثث الطافية، وعلى أنقاض عالم قديم.

 

ناقد فني وباحث أكاديمي

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى