التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

عمرو العادلي يكتب: حكاياتي مع نجيب محفوظ (الحكاية الأولى)

       

عمرو على العادلي
عمرو على العادلي

 

عندما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل لم أكن قد أتممت الثامنة عشرة، وكانت كل علاقتي بالكتابة هي بعض خواطر وأشعار وقصص من تلك التي يكتبها الصبيان في هذه السن، وريقات منتزعة من كشاكيل المدرسة، تحفل بلغة إنشائية تغلب عليها العاطفة.

بعد فوز الكاتب الكبير بالجائزة المرموقة حدثت ضجة، ما يشبه الفوران الأدبي في واقع بليد بطبعة ولا يجد من يلقي فيه بحجر، أنشأ قصر الثقافة التابع لمنطقة سكني مسابقة في القصّة تحمل اسم نجيب محفوظ، أثرت هذه الضجة علىّ فتوجهت إلى قصر الثقافة، كان مبنى متواضع يشبه حوش مدرسة حكومية، غرفتين ومكان لتبديل ملابس الممثلين ودروة مياة وركن يسمونه بوفيه هي كل محتوياته، بحثت عن المسئولين فيه لأتقدم لمسابقة نجيب محفوظ التي أعلنوا عنها قبل أيام، قابلت المخرج المسرحي المسؤول عن المسابقة وتقدمت بقصتي المكتوبة بخط اليد، ابتسم بود ثم سألني بأدب الكبار: انت بتعرف تعمل ايه تاني غير كتابة القصص؟ قلت له: بكتب أغاني على قدّي. فاتسعت ابتسامة المخرج وجذبني من ذراعي لأتفرج على بروفة مسرحية كان يخرجها اسمها عدالة السماء.

لم تنتهى حكايتي مع نجيب محفوظ عند هذا الحد، ولكنها ربما بدأتْ، طلب مني المخرج أن أكتب أغنية عن نجيب محفوظ بمناسبة حصوله على الجائزة الكبيرة، لم أكن أعرف من نجيب محفوظ إلا اسمه فقط، كانت كل علاقتي به هو قراءة اسمه على بعض تيترات الأفلام القديمة كزقاق المدق أو اللص والكلاب.

وبدأت بفعل الحماسة وحدها كتابة أغنية تناسب احتفالية سيقيمها قصر الثقافة بمناسبة حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وسيحضرها مسئولون لا أعرف منهم أحدًا. كان مطلع الأغنية يقول:

“يا نجيب مصر. شهد لك كل عصر

دقة بابك هيه كتابك  يخنق الشيطان وينام

ياللي دموعك هيه شموعك تكتب فرحك بالآلام

يا نجيب مصر”

وطبعًا نصف هذا الكلام لم أكن أفهم معناه، لكن بعد أن كتبته رأيت إن شكله حلو، وأن القافية حبكت، لم يُكذّب المخرج خبر وأدخل أغنيتي بسرعة في أوبريته الاحتفالي، بعد العرض الغنائي الدنيا هاصت، أصبحتُ نجماً في قصر الثقافة وأدعو أصدقائي وأقاربي لكي يتفرجوا على مؤلفاتي وهي تُدق على أوتار العود ويرددها كورال مكون من 6 بني آدمين دفعة واحدة. كانت بطلة العرض بنت نحيفة جدًا تلبس فستان على شكل علم مصر، تتسلم الجائزة التي كانت فورمة جبس صنعها مبيَّض محارة، قمنا بمساعدة عامل البوفيه في قصر الثقافة بدهانها باللون النحاسي لتشبه الوجه الذهبي لجائزة نوبل، ورغم أن أغلب من حضر الحفل كان من العامة؛ وربما لم يعرفوا من نجيب محفوظ إلا اسمه، فإنهم صفّقوا بشدة عندما تسلمتْ البنت النحيفة الفورمة الجبس المدهونة.

بعد أيام قليلة ظهرت نتيجة المسابقة وحصلت على المركز الثاني.

ولكن بعد النجاح النسبي للعرض المسرحي سألني ملحن الأوبريت الذي كان يكبرني بعشرة أعوام:

  • انت قرأت لنجيب محفوظ اللي انت كاتب له أغنية بتشيد فيها بأدبه؟

دون أي تفكير، وفي شجاعة لا أعلم من أين تسللت إليّ قلت:

  • طبعا، الروائي الكبير، اللي كتب الحرافيش واللص والكلاب.

وهُنا اقترب الملحن وسألني هامسا:

  • طيب رواية الحرافيش اللي انت قرأتها دي بتتكلم عن إيه؟

وكأن أحدا دلق فوقي جردل مياه باردة، لم استطع الرد ولكني خرجت من الموقف بحيلة مفقوسة:

  • بتتكلم عن الحرافيش، الفتوات اللي كانوا عايشين زمان، يعني قبل أنا ما أتولد.

ولكني ذهبت في هذه الليلة للبيت وأنا أحمل فوق رأسي هموم الدنيا، كيف لي أن أضع نفسي في مثل هذه المواقف البايخة، لماذا أدّعي شيئا لم أفعله؟ أليست القراءة أيسر كثيرا وأحفظ لماء الوجه من هذه التمويهات السخيفة.

في اليوم التالي ذهبت قاصدًا سور الأزبكية، اشتريت من مصروفي ثلاث روايات، زقاق المدق وقصر الشوق والحرافيش، وفي أقل من أسبوعين كنت قد قرأتها جميها، ثم ذهبت لقصر الثقافة وأنا واثق الخطوة، ورأى المخرج تحفزي أثناء دخولي وتوجهي ناحية الملحن فنادى عليّ، وعندما ذهبتُ إليه قال بصوت ودود:

  • ماتخدش في بالك. هوه كده رخم. بيحب يغلس على الناس. سيبك منه.

فرددت عليه:

  • هوه علشان قرأ كام رواية لنجيب محفوظ يعني.

رد المخرج وهو يغالب ضحكته:

  • ولا بيقرا ولا حاجة، دا حمار. ولا يعرف من نجيب محفوظ إلا اسمه، وقبل موضوع نوبل مكنش يعرفه أصلًا، يا ابني إذا كنت أنا ذات نفسي معرفش من نجيب محفوظ اللي بعمل له الأوبريت إلا اسمه.

وهُنا بدأت التفكير في أشياء لم تكن قد خطرت في بالي من قبل.

(إلى اللقاء في الحكاية الثانية)

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة