التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

ملامح كسيرة

قصة: رانيا منسي.

 

بعض الوجوه من السهل أن تختلط بغيرها، كتلك التي نقابلها يوميا فلا نتذكرها، ومهما رافقتها فالزمن كفيل بأن يمحوها، أما البعض الآخر يظل محفوراً في الذاكرة منذ اللقاء الأول، وحتى آخر صدفة جمعتنا به، هكذا كان وجه ليلى معي، محفوظ في الذاكرة منذ اللقاء الأول بها، حقيقة ليس وجهها فقط، دعني أخبرك عما أتذكره، بشرتها كانت نضرة، نظرتها ثاقبة، ابتسامتها، دعني أصفها لك بأنها.. كانت مريحة، فبعض الابتسامات ترتاح لها نفسك فتجذبك إليها أكثر فأكثر، وهكذا قد ساقتني إليها ابتسامتها، آراؤها، وربما الأكثر جاذبية فيها الحماس، حماسها زادني رغبة في أن أدنو إليها، كنت أفتقد لتلك الهالة التي لمستني، لا أنكر أنها انتقلت بدورها إلي، فالحكمة دائما تقول “ما إن رافقت أحدهم إلا وانتقل إليك إما نشاطه أو خموله وكآبته”، حقيقة الأمر هي حاولت الحفاظ على هالتها، ولكن ما جدوى المحاولات وأنت وسط بقعة ما من الأرض مدفون تحتها الكثير من النفايات السامة، هكذا كانت هي، دعنى لا أسترسل فيما كان، لأخبرك ما قد حدث لها منذ فترة ليست بالقليلة..

فهي منذ شهور كثيرة كانت تخاف النظر لملامحها في المرآة، ربما كان شحوب بشرتها السبب وربما نظرتها المهزومة هي السبب الحقيقي، فليلى يا عزيزي لم تهتم أبداً لنظرات الانهزام في عينيها، لأنها تجيد رسم ابتسامة صفراء تستعرضها أمام الجميع، من خمسة ليال فقط اختلت بنفسها، نظرتها البائسة سابحة في سماء مظلمة خالية من أية أضواء إلهية، شغوفة دائماً بكروت التاروت، فهي أمامهن تدعي أنها مجرد لعبة تفضلها، أما في قرارة نفسها تظن أنها عرافة جاءت من زمن آخر لتقرأ حظ الآخرين بتلك الأوراق، تتأمل ذلك اليوم الذي فات عليه أشهر طويلة..

بداية النهار ارتدت فستان يليق بدفء شمس ربيعية، شعرها المموج يضيف مظهر لا بأس به كغجرية، لم تنس قبيل نزولها من المنزل أن تضع أوراقها في الحقيبة، يمر نهار طويل في محاولات للبحث عن عمل، وها هي تلتق أخيراً ببعض رفيقاتها، يبدأن دائما الحديث عن حكايات القلب الخائبة التي ملت سماعها مرارا، بعد ان انتهت آخر واحدة فيهن، قامت ليلى بدعوتهن للعبتها المفضلة، كشيء من التغيير، فلا ضرر من قليل من الشغف وبعض المرح، بالرغم من أنها تتجنب كثيرا قراءة كروتها لنفسها أمام الآخرين، إلا أنها جربت تلك المرة، وهنا جاءتها الإشارة، ستتأكد من شكوكها تجاه أنور قريبا..

عندما عادت في المساء ، حاولت أن تتهرب من الواجب الذي أثقل روحها، أخبرت نفسها مرارا قبل مواجهته بما يتراكم في قلبها، أنها ليست دمية صينية يلق فيها ما يؤرق منامه، ويذهب يكمل ليلته في الغرفة مع من يلتقي بهن عبر الشبكات العنكبوتية، كلما دلفت من باب الشقة كلما رغبت أن تحطم كل محتويات تلك الغرفة، حتى الديكورات التي أعدتها بشغف خلال سنوات زواجها القصير البائسة.

تلك الليلة ليست ككل ليلة فهي لن تتركه ينسل جسدها وروحها مجددا، هكذا حاولت أن تكرر لنفسها، حيث كانت تفقد بهجتها وهالتها، بدأت تبهت شيئاً فشيء، تعرف أنه يلثم كل قطعة منها بلثمات زائفة، لمجرد أن يحاول الإبقاء عليها بجانبه، نظراته الزائغة في لقائهما أكدت حدسها تجاهه، فأنور اعتاد التسلل إلى روحها من عينيها الواسعتين، قبل أن يتسلل بشهوته داخلها، لم تتعمد في الليالي الماضية التربص به، ولكن هذه الليلة ستكون الأخيرة، فلن تكون مثل قطعة القماش البالية التي يلملم فيها أوساخ يومه، ثم يذهب للأخريات يضحك ويرتوي صافي الذهن، لم تتحمل المزيد، انسحبت من أسفله لتلق ما تراكم على روحها من قرف بحوض أوجاعها، فقط حينها نظرت لنفسها في المرآة، انتابتها نوبة من البكاء، تيقنت وقتها أنها فارغة فنظرتها لنفسها خاوية، زادت ثورتها عليه، خرجت لغرفته المحببة، فهي تعلم أنه لن ينتظرها، فكلما يتعكر مزاجه يذهب بنصفه السفلي الممتلئ هناك ليفرغه مع شريكات الشبكة العنكبوتية، لأول مرة تتجرأ وتفتح الباب بحدة، تحطم الزجاجات الغافلة في رفوفها، يقف مذعورا لا يستطيع الحركة خوفا من حطام الزجاج السكران، تتركه وسط رائحة الكحول..

بعد ظهور ضوء النهار التالي، استعدت لتلتقط أنفاسها، حددت وجهتها، تركت تلك المغارة المقززة خلفها، و لم تكترث لعدم خروج أنور من تلك الغرفة، فهو بالتأكيد سجد يتجرع ما تفجر على الأرض من زجاجات مكسورة حتى الثمالة..

كعادتها كل صباح تجلس بنفس المقهى لتحتسي قهوتها السوداء، المتماثلة اللون مع بلوزتها القاتمة، لم يتبق لها سوى نظرة مكسورة تداعب بها الأسفلت المدهوس، ها هي حكاية ليلى التي يتداولها جميع رواد المقهى دون علمها، وهي لم تروها لأحد، فهي لم تجالس أحد ولم تتحدث إلا لطلب فنجان قهوتها المعتاد.

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى