التخطي إلى شريط الأدوات
قصةمشاركات أدبية

وضغطتان

قصة: هبة بسيوني

هبة بسيوني
هبة بسيوني

 

 

 

 

تتشاغل عنه بتخيل نفسها على أرجوحة بيضاء.. وسط العشرات من العصافير المزقزقة.. لا تشعر بملمس يده بالرغم من ضغطاته المتتالية والمحسوبة بدقة وكأنه يعصرها.. طريقة لمسه تنبأها بأن تلك مرته المئة.. يسير بأصابعه بخبرة محترف على الفتحات ما بين أصابعها المفترض أن تشعر بأي شيء قشعريرة.. رعدة.. أو حتى رغبة، لكن محاولاته المستميتة لا تحرك داخلها أي شيء.

تتركه يعبث.. لا تريد أن تفقده مثلما فقدت من قبله لرفضها لمستهم.. الآن لا تكترث كثيرًا لإحساسها.. لا تريد أن تغضبه وتعود لنظرات الناس لها أنها “وش نحس” ووراء “تطفيش” من تعرفه من الذكور.. أحلامها بسيطة أولاد وبيت ووسيلتها الوحيدة للحصول عليهما هو زوج.. هو الذي سيوفر لها الشكل الاجتماعي اللائق.

اقترحت على والدتها  “التلقيح الاطناعي” لكن عندها ضربت صدرها وصرخت عرفت أنها لا تحبذ الفكرة “إنتِ باين لك مجنونة رسمي عايزة تفضحي أبوكي وأخوكي و عمك؟ وظلت تعدد كل من امتلك خصية في عائلتها أعطته الحق في أن يحك أنفه في وجهها وأن يكن له الحق في تقرير مصيرها وأن عليها أن تضع قفلاً على جسدها إحترامًا لهؤلاء!

*****

تنهض وتجلس في الفراش.. السقف بلون الورد لكن الأغطية رمادية.. منبه فقد صوته ودمية جوارها فقدت بسمتها. اليوم عيد ميلادها.. تنزل أصابعها ببطء لتتأكد أنها تلمس الأرض.. تلسعها برودة السيراميك.. تفضل الباركيه مصنوع من شيء حي. حلمت بأن شقتها سيكسوها الباركيه ولكن حُشر الحلم في جوفها مع أحلام كثيرة. تستحم.. تَقلص محيط خصرها كثيرًا.. تتمنى أن تراها عين أخرى -غير عينه- وشعرها مبلل.. بعد الماء الساخن تكون في أحسن حالاتها. تمشط شعرها الذي يتساقط منذ فترة وتنظر للبقعة البنية التي على كتفها وتضايقها.. أخبرتها الطبيبة أنها نتيجة الضغط العصبي لذلك لم تأخذ أي علاج فالضغط لا يزول. تضع يدها على رحمها كما اعتادت أن تفعل.. انقطع الدبيب الذي كان يؤنسها طول الوقت.. كل الاقتراحات بشرب دم “الترسة” لكي تستطيع إنبات شيء في أحشائها ذهبت سدى.

تعرج على محل لتشترى بعض البالونات.. لا تكثر لكي لا تنقطع أنفاسها.. كعكة عيد ميلاد؟ مبالغ بها ستكتفي بشراء شيكولاتة من نوع جيد وأن تدعو نفسها على قهوة.. تخرج من حقيبتها علبة السجائر ذات النكهات اليوم يوم مناسب للتجربة… ترشق عيناها في عين أحدهم فتتمم بصوت خفيض “Wow ” ترمقه من الخلف يبدو في مثل جودة الأمام تلتفت مرة أخرى.. أيراها فتُولد الشرارة كما يحدث في الروايات؟ تخطو عدة خطوات في إتجاهه ثم تتذكر أن الشرارات الموجودة في دنيانا وظيفتها أن تحرق فقط  لا أن تبدأ أشياء.. تتراجع.. تضغط بأصابعها لتتأكد مرة أخرى أنها تلمس الأرض.. الأرض خشنة لكنها لاتمانع المهم أنها تلمسها.

“تنزل من على الميزان”

– وزنك كويس أوي.

– مباكلش.

– معلش ده طبيعي في حالتك هاكتب لك على فاتح شهية كمان.

تثبت عيناها على الأرض: الباركيه بتاعك حلو أوي.

يبتسم وينظر لها: السيراميك بشع معدني لكن الباركيه في روح كده و…

يرن هاتفه بنغمه “مشيت وياكي للآخر أتاري أولك آخر عنيكي خدتني للحلم اللي مبيكملش” تنتصب شعيرات يدها.. مقطوعتها الفضلى… كلما نظرت له ذكرها بأحلام تٌركت وحيدة وآمال تكسرت وأشياء بداخلها لم تكتمل.

– حلوة أوي

– نفسي أروح حفلة اسمعها بقى ومش لاقي حد يروح معايا.

تنظر ليده فيفهم ما تبحث عنه فيقول في توكيد: أنا منفصل.

يسكت ثم يردف: كنت حريص إني مسبش جزء مني جواها وكان عندي حق.

أرادت أن تعقب أو أن تخبره أنها فعلت المثل وأن آخر جزء منه علق بها قد سقط حزنًا أو على الأقل تخبره أن اليوم عيد ميلادها لكنها لا تريد زيادة الأمور تعقيدًا..

تزايدت إهتزازات ركبتها وتهدج أنفاسه.. نهضت.

سبقت يده يدها.. فتح الباب قائلاً: الأسبوع الجاي نفس الميعاد.. متنسيش تشربي اللبن هبقى أكلمك أطمن عليكي.

تومئ ولا ترد.. فور أن يغلق الباب تضع قدميها ببطء وتضغط بأصابعها بقوة أكبر لتتأكد تلك المرة أنها فعلاً مازالت تلمس الأرض.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى