التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

“الفيل الأزرق”: الأدب السطحي والتحايل على الموروث.. “ما بين السطو والاقتباس”

كتب: أدهم العبودي

adham

تُعد رواية “الفيل الأزرق” لكاتبها “أحمد مراد” إحدى أهم الروايات الصادرة في عام 2012، ذلك لاجتياحها سوق الكتب، وتصدّرها المبيعات كظاهرة متفرّدة، دفعت الكثيرين من النقّاد للتعامل معها كظاهرة سلبية، نظراً للفكرة السائدة عن كاتبها، الذي يعتبر واحدًا من كتّاب الـ “pop art”، وهو -في ذلك- يقف جنبًا بجنب جوار “أحمد خالد توفيق” و”نبيل فاروق”، لكن، ربما كانت هذه النظرة من النقّاد نظرة متعالية وبها الكثير من الالتباس وعدم الموضوعية، فهذه النظرة جعلتهم عازفين -في الأساس- عن قراءة هذه الرواية، بل وذهبت نظرتهم إلى أبعد من ذلك، وهو اتّهام كاتبها بالترويج لنوع من من أنواع الكتابة الروائية السطحية، التي لا قيمة لها، والتي تُفسد -حتمًا- ذائقة المتلقّي، ثم جاء دخول الرواية لقائمة “البوكر” الطويلة”، بعدها القصيرة، ليبدو أنّ في الأمر شيئًا ينبغي ملاحظته، شيئًا صاعقًا ربما، لكنّه ملفت، ودليلاً -كذلك- على أنّ النقّاد لابدّ لهم من الاعتراف بهذا النوع من الأدب، حتّى ولو كان مخالفًا لنظرياتهم وأصولهم، وتنظيرهم -المتشدّد- لمفاهيم الكتابة الروائية.

تلك الملابسات تدفعنا للتساؤل: كيف اجتذب الكاتب هذا القطاع العريض من القرّاء -وبمختلف الأعمار-؟

هل كتابة “أحمد مراد” تمثّل ظاهرة أم هي كتابة راسخة أدبية لا تقلّ قيمة عن كتابات الحقيقين؛ بمفهوم النقّاد؟

لسنا نحاكم كاتبًا قدر ما نحاكم كتابة؛ أقصد ننقد كتابة، بما لها وما عليها، سواء اتّفق البعض، أو اختلفوا، على مفهوم “الرواية” في الأساس.

في جلسات المثقفين، والمهتمين بالشأن الأدبي، عليك أن تذكر “أحمد مراد”، فقط اذكره، ليبدأ سيل من الانتقادات والاتّهامات، موجّه لشخصك، باعتبارك واحدًا من المروّجين للكتابة التافهة -كما يزعم النقّاد- والتي لا غرض منها إلاّ التسلية، بل -وفي غالب النقد- لا غرض منها إلاّ الإطاحة بالرواية المصرية، اذكر “أحمد مراد”، وسينهمر سيل من السباب والشتائم، وستمتعض الوجوه، وتلتوي الشفاه، وتستنكرك الأعين.

هناك قطاعان إذًا من جمهور الرواية؛ قطاع المثقفين، الجمهور الرافض، أولئك الذين إذا ما ذكرت الرواية وكاتبها أمامهم سفّهوك. وجمهور القرّاء، الذين مثّلت لهم الرواية تقنية جديدة باعثة على استكمال التحدّي لجيل من الشباب لا يريد المثقّف ولا الناقد أن يلمحه.

حوار الرواية كُتب بالعامية المصرية، كما فعل الكاتب في جميع رواياته، وهي اللغة الأقرب للقارئ، والتي استخدمها “محفوظ” في بعض رواياته، أو حاول أن يمزجها بالفصحى كي يتقرّب للقاري أكثر ويغازله، وكما استخدمها الكثيرون من كبار الكتّاب؛ “يحيى الطاهر”، “إبراهيم عبد المجيد”، “يوسف القعيد”، “الغيطاني”، وغيرهم، بل استخدمها أكثرهم هجومًا على الرواية وهو “الخمايسي” في أحدث رواياته “انحراف حاد”، الأزمة إذًا ليست في عامية الحوار، إنّما في صياغته، وتدنّيه لدرجة ملحوظة من البساطة المفترضة، والمفردات التي يتحدّث بها أبناء اليوم، المفردات والمصطلحات الغربية التي -للأسف- يتحدّث بها جيل من الشباب الآن، يجب أخذه في اعتبارات المؤرّخين للأدب بشكل حيادي، ربما نجح الكاتب في أن يصنع لنفسه طريقًا مع القارئ، طريقًا مباشرٍ، لا كلفة فيها ولا تصنّع، مع ذلك، هو أخفق في أن يزن المسألة بين القارئ العادي، المستهدف من كتابته أصلاً، وبين القارئ النوعي المثقف، الذي يبحث عن وجبة شهية تملأ وجدانه، فضلاً عن استخدامه هذه الحبكة -أو قل الخلطة- بين الحدث والتشويق والحكاية، خطلة البناء السينمائي المعروفة في السينما الأمريكية تحديدًا، التقاطعات، والفلاش باك، ثم تهويم الحدث، والعودة إلى حدث مواز، وهكذا، ممّا حدا بالكثيرين أن يلاحظوا ذلك التشابه بين رواية “الفيل الأزرق”، وبين فيلم “the tattooist “، الغريب أنّ الفيلم الأميركي لم يكن شهيرًا أو معروفًا، منحته الرواية نسبة مشاهدة عالية، وشهرة أكبر، ممّا يحيلنا إلى التساؤل: هل ظنّ الكاتب أنّ أحدًا لن يفطن إلى “التيمة” المأخوذة من فيلم مغمور؟ ربما، لكن، على الناقد الحقيقي، أن يأخذ بعين الاعتبار، مدى جدّية الكاتب في طرح فلسفته الخاصة تجاه الموروث، بل وفي طرح رؤيته لهذا الموروث، ممّا يستحيل معه -في الأساس- أن نقارن بين رواية استقاها كاتبها من عين الموروث، وبين فيلم مستقى من موروثنا نحن أصلاً، إذًا فكرة أن يتناص الفيلم مع الرواية هي فكرة أن يتناص الفيلم نفسه مع الموروث؛ الذي تحايل عليه الكاتب في رواية “الفيل الأزرق” وجعله داعمًا رئيسًا لحدثه ورؤيته.

هنا؛ يمكننا الزعم أنّ المصدر الرئيس والأصيل لحدّوتة الرواية هو الموروث، وقد ذكره الكاتب تفصيلاً داخل الرواية، حكاية “المأمون” في “الجبرتي”، بل أبعد من ذلك، علاقة الموروث المصري والعربي بالخرافة والجّن، والذي سبق فيه المجتمع الغربي بأزمنة، المجتمع الذي ليس من موروث فيه ولا يحزنون، اللهم إلاّ السطو على موروث المجتمعات الشرقية، وتحويله إلى لغة سينمائية، خلاّبة في أحايين كثيرة.

إذًا “أحمد مراد” في روايته لم يسط على فيلم أجنبي كما تشدّد البعض وكما أقاموا الدنيا، ولم يقعدوها، بل وضع الموروث -الغني- نصب عينيه وضفّره في نسيج حكايته، واقتبس منه، وصاغه -حسب رؤيته- ليقدّم للقارئ العربي نموذجًا ينبغي الالتفات إليه من حيث التقنية ومن حيث الإحالة للموروث، ومن حيث الإحكام والتضفير أثناء بناء الرواية، لا يمكن لمن قرأ الرواية أن ينكر على الكاتب دأبه وحنكته في شدّ انتباه المتلقّي منذ الصفحات الأولى للعمل، وحتّى الصفحات الأخيرة، تمكّنه من صنع صورة بصرية كتقنية لا يستخدمها كتّاب الرواية في مصر، وهو ما يدفع البعض لتبنّي وجهة النظر الآخذة بمبدأ أنّ الشكل والإطار الأنسب للعمل هو السيناريو مباشرةً، دون تحايل على صنف الرواية وإدراج العمل في إطار رواية! هنا نقف أمام مفهوم “الرواية” وتقنينه، هل تمّ الاتّفاق على مفهوم كلّي -أو جزئي- للرواية؟ ما هو الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه الرواية؟ إذا أجاب النقّاد على التساؤل يمكننا أن نعي كيفية تناول “أحمد مراد” للمفهوم نفسه، أظنّه نجح في تقديم شكل -جديد- للرواية غير الذي ساد وصرف عنه القارئ، هذا واقع لا يمكننا بحال أن نجحده، يمكننا أيضًا أن نأخذ على الكاتب المآخذ الموضوعية، لا أن نطارحه بحجج واهية لا تعني المتلقّي كثيرًا، يحيلنا هذا إلى التساؤل: ما الغرض من الرواية؟ ما الغرض من الأدب؟ أليست المتعة أحد أهداف الكتابة الروائية؟ المتعة -في حدّ ذاتها- هدف لا يُستهان به.

أحد المآخذ -الموضوعية- التي تؤخذ على الرواية هو إقحام العنوان في نسيج العمل بلا مبرّر فنّي، كأنّ الكاتب اختار عنوان الرواية قبل أن يشرع في كتابة العمل، فتجد أنّك أمام خيط واه يربط العنوان بالرواية، ولا علاقة له بالحكاية من الأساس، فضلاً عن محاولة الترفيه على القارئ باختلاق أحداث بعيدة كلّ البعد عن غرض الرواية، منها المشاهد الجنسية التي لا مبرّر لها، ولم تخدم العمل لا من قريب ولا من بعيد، كذلك الوقوع في الترّهل والاستطراد في أكثر من موضع، وإطالة الحوار كي يصل -في بعض المواضع- لثماني صفحات كاملة الغرض منها الدخول إلى حدث مستعص، كان يمكن للكاتب أن يتغاضى عنها في جملة واحدة أو جملتين على الأكثر، كذلك النهاية التي انتهت بها الأحداث والتي بدا الالتباس والتعجّل واضحًا فيها.

غير أنّ ذلك؛ رغم ملاحظته، لا ينفي أنّ رواية “الفيل الأزرق” رواية ماتعة في الأساس، وأدّت الدور المطلوب منها كما ينبغي، وإن رأى التاريخ غير هذا.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال نقدى منصف و شجاع و ممتع .. و هذه الأخيرة قلما أجدها و أنا أقرأ مقالاً نقدياً .. أعجبنى التركيز على الجدلية الأساسية و الإيجابيات فى معظم المقال و ذكر السلبيات فى آخره .. إحنا مش جايين نقف ع الواحده زى بعضهم 🙂

زر الذهاب إلى الأعلى