التخطي إلى شريط الأدوات
روايةمشاركات أدبية

فصل من رواية “أسود دانتيل”

كتبت: حرية سليمان

حرية سليمان
حرية سليمان

 

 

 

 

 

حادثة «كريم» كانت محفزًا للكتابة عن «وجع مريم» بمقال له العنوان ذاته؛ فالسبب الذي دفع زميلي للهروب إلى روسيا هو نفسه الذي أودى بحياة «سعيد»، حارس عقارنا، وهو السبب نفسه الذي ألقى بـ«مريم» إلى الشارع، إنه القهر، لم يبَلِّغ «سعيد» عن انتهاك ابنته، كان فقط يطيل النظر إليها ويضع رأسه بين كفيه، ويتكوَّم إلى جانب الجدار ويبكي، اختفى مشهد الإفطار اليومي، اختفى صوتها وظل حزنه لا يبرح، هذا الحزن الذي دفعني للنزول إليه، جلسنا على حافة المرتبة المتآكلة، كان هامدًا تمامًا، صامتًا، حاولت قراءة ملامحه، لم يكن غير مكلوم، حاولت إقناعه باتخاذ موقف حاسم وعمل بلاغ على الرغم من كتمان الأمر لمدة تزيد على الشهر، لكنه رفض، يمكن تفهم حال أب بسيط فقدت طفلته شرفها.

لم أميِّز أغلب ما قاله، فكلامه خرج من قلب النهنهات، كانت حروفه مبعثرة؛ لكن ما وصل لأذنيّ كان مفجعًا؛ فصهر فلان ابن الوزير الفلاني مَن فعلها بظهيرة يوم غابت فيه الشمس، يحدث هذا غالبًا في غياب المخدومات، لكنهن مع ذلك يملكن القدرة على الذهاب لضحايا نزوات أزواجهن أو حتى صبيانهن، وبقدر معقول من البلادة يمددن يدًا بالسلام ويدسسن بالأخرى أوراقًا مالية كعربون سكوت. هؤلاء غالبًا يدفعن الضحايا للموت الصامت وببطء شديد، تسللت يد «سعيد» لتسحب رزمة نقود من تحت الوسادة، كان يتفصد ألمًا، قال ببؤس لم أعهده:

– قبلت تمنها، بس مش عاوزه، خديه، احرقيه، هاتِلها فساتين كتير.

وبالليلة نفسها مات «سعيد».

أما كريم فقد وصلتني رسالة منه بعد سفره، ولا أعرف لماذا ضمنها تفاصيل ليلة السجن بكل أوجاعها، ربما كنت بحاجة لأن أعرف وقتها لأن ما خفي دوما أعظم. أما الآن فلم يعد الأمر عن كونه تقليبا للمواجع. قال إنهم جردوهم من ملابسهم عدا البستهم الداخلية التي كانوا يجذبونهم منها طوال الوقت، وكان أحد الأمناء يقوم بتصويرهم ويضحك، ضربوهم بالعصي والأحزمة بكل مكان، حتى بمناطقهم الحساسة وتم تصوير هذا كله أيضًا، نادوهم بأسماء نساء وغالبا كانت لفتيات يمارسن الدعارة، استمر الضرب فترة طويلة لكنهم لم يعرفوا مصدره؛ لأنهم ارتموا على الأرض وانكفأوا ليحموا وجوههم، بعد ساعة من التعذيب غير المبرر أحضر أحد الأمناء بطانية بها أشياء المشتبه بهم من ملابس وساعات وأحذية وغيرها، وقام بفرزها واحتفظ لنفسه ببعض الأشياء الثمينة وسلمهم الباقي. عندما رفض أحدهم تسليم ساعته أُقتيد للخارج، وعندما عاد كان الدم ينزف من شرجه، كانت ليلة طويلة مرهقة أمرهم الضابط بنهايتها بأن ينبحوا مثل الكلاب.

لم تواتني الجرأة لسؤال كريم عمَّا إذا كان قد فعل. قرأت مرة أن الكائنات تفر لحتفها، لم أفهم ما تعنيه الجملة، فكيف نفرُّ لحتفنا؟! الخوف من الموت ذاته هو الدافع الوحيد لنتمسك باللاموت، حتى مرضى السرطان والذين يعانون الربو نبث فيهم الأمل لتزداد مناعتهم فيبطؤ ركضهم إليه، لكننا مثلًا بلحظة حمق يمكن أن نتفادى بئرًا أو حتى بالوعة لتصدمنا سيارة. فعلاقات الحب الباهتة نقدم عليها اختيارًا لنهرب من أخرى تركت ندوبًا معقدة، ثمَّة جهل عام بماهية الحياة يحيط بالكائنات.

صديقتنا الواثقة كانت تحدثنا يوميًّا عن قلبها الذي كتبت على بوابته «مغلق للصيانة»، كانت أسرعهن ركضًا لعلاقة اجتذبتها بنظرة جائعة لنصفها السفلي، فرت من جبروت قلبها لترضي نزوات جسدها، وكلاهما ذبح جميل.

بتلك الليلة أجهز «كريم» على رفيقة وحدتي؛ إذ إنه بنومه على الأريكة لم تتوقف عن مشاكسته، مرة تداعب أنفه وأخرى تئز بأذنيه، بالنهاية حين توقفت بين عينيه أفاق وقبل أن تطير لمسافة خمسين سنتيمترًا أطبق كفه عليها بحركة خاطفة، فركها وقال:

– واربي الشباك قبل المغرب عشان الدبان يخرج.

غادر قبل العاشرة لأكتشف أن اليوم بكل أحداثه وغيومه وحرارة شمسه وتفاصيله كان فارغًا، تفحصت الجوال ولم أجد الرسالة التي أنتظرها.. لكنني ما زلت امرأة قوية.. لم تعد تخيفني نظرات الناس، كلامهم، أو حتى حساباتهم المعقدة، يتغزلون بصوتي، وكأنني أتعمد عرض أنوثتي، يأخذهم دمعي المنهمر، فيصبح البكاء حينها دعارة تجلب الأفاكين، تسحرهم سنوات عمري وما زلت طفلة تثير زوبعات من الحزن والفرح اللانهائي، خشيت من ضحكة قد تفلت، وكأنه لا بد أن أحسب ضحكاتي بميزان العالم.

لم أكن سوى امرأة تمطر حزنًا حين يملؤها الغضب، تحب الفاكهة والماء البارد، تحب التمدد على ظهرها والتحديق في اللاشيء، تكره الثرثارين، تؤمن أن التدوين طقسُ تطهُّر، تعشق رائحة العطارة إكرامًا لجدها، تحب المشي في الشوارع القديمة، تأسرها ملامح الأطفال وشغفهم بالغرباء، لا تحب إضاءة الفلورسينت، ولا تعنيها كثيرًا إن كانت مركبة من غاز خامل أو أنها موفرة للطاقة، تفضل قضاء الباقي من حياتها بمنفى اختياري بساحل ما، يهينها قطف الزهور على الرغم من أنها تذوب بعطرها، تقتفي أثر الماضي بكثير من صور عصر ما قبل الألوان، تحب إنسانيات «ديكنز» وعالم «جارسيا الصخري»، تعشق فيلم «مدافع نافارون»، تاييرات الخمسينات، شَفَتي «صوفيا لورين» ولكنتها المُغرية، تأسرها طفولة سعاد حسني ونعومة سيدة القصر، تربكها استدارات «مارلين مونرو»، وخشونة «إيرين باباس»، جل ما ينقصها حديث وسادة ناعم، رفيق روح يتقن الاستماع كما يجيد الحكي، وعمل ممتع يستهلك الطاقة، لم تظفر إلا بالكوابيس، فكلهم موجوع بذاته بلا أي أحاديث لوسائد تخصها – حتى هو – وظلت الصور والملامح وتعابير الوجوه شغلها الشاغل.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق