التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا تكتب ياعادل؟

كتب: عادل العجواني

 

اتاني السؤال مباغتا في توقيت قاتل، القاه على شاب يدعى “سامح فايز” عبر رسالة على الفيسبوك. كنت بالاردن حينها، في رحلة علمية لمحاولة اجتياز امتحان الزمالة العربية للطب النفسي. شرح لي سامح – ذلك الشاب المهذب الذي لم يسعفني الوقت للتعرف عليه بعد – انه بصدد نشر باب بهذا الاسم على موقعه الالكتروني ليجيب عليه العديد من الكتاب الشباب. اتفقنا بعد مفاوضات مطولة على موعد مؤجل لارسال المقالة وذلك فور عودتي للقاهرة. توجهت بعدها لسريري بغرفتي الفندقية معتقدا انني سأنام وكل ما يشغل بالي هو قلقي من امتحان الغد، دون أن أتخيل أن ذلك السؤال سيظل يؤرقني ويتردد بالحاح في ذهني…

لماذا تكتب يا عادل؟ لماذا تكتب يا عادل؟ لماذا تكتب يا عادل؟ لماذا تكتب يا عادل؟

في أول الأمر، لم يرد ببالي سوى بعض الاحتمالات التي بدت لي الأكثر منطقية ومادية وواقعية ؟

أكيد عشان الشهرة، او الفلوس، او المعجبين، او طبعا عشان المعجبات…

ربما…

ولكن قليلون هم الكتاب المشهورون. اولائك الذين يعرفهم القراء شكلا معدودون على اصابع اليد الواحدة. أن رغبت في أن يتعرف عليك الناس بالشوارع أو يوقفك أحدهم لنيل توقيعك فآخر سبيل لتحقيق ذلك هو الكتابة.

الفلوس؟ ربما يكون العائد المادي للكتابة في دول أخرى مغريا لخوض تلك التجربة، اما في مصر فالعائد لا يكاد يذكر. المعجبين؟ يمكن لأى صفحة تافهة على الفيسبوك تحقيق ذلك بشكل يفوق أى رواية وبمجهود أقل بكثير، أما المعجبات فأنا لا أعتقد أن الحسناوات ستتغاضى عن السيكس باكس لمجرد ان غلاف رواية ما يحمل اسمي…

بعد فترة من تقلبي بالسرير أنهالت على الموجة الثانية من الاحتمالات. بدت أقل مادية وواقعية بالفعل، ولكن استحالة نفيها كسابقتها ابقى عليها كاجابات محتملة حتى وان لم تتمكن من اقناعي تماما…

هل أكتب لتحقيق انجازمعنوى ما؟ ام لأنني أملك بالفعل ما أحكيه؟ هل الكتابة هى نتيجة محتومة اذا ما تواجد الخيال ؟ هل هى محاولة للتميز ؟ أم وسيلة لتحقيق خلود قصير ما ؟ هل هى تفريغ لطاقة أو أنفعالات مكبوتة؟ أم أنها علاج ذاتي يتجنب بها الكاتب الاصابة بالجنون؟ هل هى محاولة للهروب من الواقع ؟ أم أنها عرض من أعراض هوس مرضي بالتحكم في عوالم بأكملها؟ أم أنها بالنهاية مجرد غريزة اساسية. إن لم يكن الحكى ضرورة حقا لماذا أخترع الانسان اللغة؟

غلبني النوم وتلك الاحتمالات مستمرة بالتصارع في عقلي، تحاول كل واحدة منها اثبات احقيتها في كونها الاجابة الحقيقية دون غيرها دون أن تفلح ايها حقا في تحقيق هذا …

استيقظت مفزوعا بعد ساعتين، في الثالثة والربع صباحا تحديدا، مدركا شيئين مهمين…

الاول أن رسوبي بامتحان الغد يتحمل ذنبه سامح فايز وحده.

والثاني كان اجابة السؤال….

أخبرنا اساتذتنا بالطب النفسي ان العلاج بجلسات الحوار مع المريض يعد علاجا عضويا. ذلك أن الافكار تخزن في عقولنا على هيئة DNA ، ليتغير بها تكوين أمخاخنا.

اذا ما كانت افكارنا مكونة عن DNA  حقا، اليس من المتوقع بها أن تتصرف كأى DNA آخر، بدءا من الفيروسات وحتى الثدييات، الا يرغب ال DNA بها جميعا في شىء واحد فقط…

الاستمرار… البقاء… التكاثر…

اذا أضفنا لذلك حقيقة أن أفكارنا تتحكم بنا؟ ككائن طفيلي عبقري يسير عائله، دافعة اياه باتجاه ما تراه صوابا ومنطقية ومخيفة اياه مما تراه خطرا وتهديدا لها.

الا يجيب كل ذلك على سؤال سامح الأزلي…

“لماذا تكتب يا عادل؟”

أكتب يا سامح لأن أفكاري تتحكم بي …

أكتب لأن أفكاري ترغب بذلك…

أكتب لأصيب أكبر كم ممكن من البشر بتلك الافكار التي تملأ رأسي…

ابتسمت وقد بدت لي الاجابة منطقية تماما، أكثر بكثير من خيالات باهتة كالمال والشهرة والمعجبات…

لأنم مستريح البال الآن وقد أجبت على الاقل على إحدى تلك الأسئلة التي ستوجه الى اليوم. منك لله يا سامح، إن لم تقتل نفسك فالتعلم منذ الآن أن روايتي القادمة تدور حول ذلك الصحفي الذي يخطفه قاتل متسلسل مقطعا اطرافه الواحد تلو الاخر ومرغما ايه على تناولها. يدعى الصحفي سامح فايز…

” إن أى تشابه بين اسماء شخصيات الرواية وبين اشخاص حقيقيون هو صدفة مقصودة ”

بالنهاية، اود اخبار سامح انني نجحت بالامتحان وأنه لا داعي لأن يقتله تأنيب الضمير وأنه بأمان وأشكره على اتاحة تلك الفرصة.

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة