التخطي إلى شريط الأدوات
مسرح

هنا أنتيجون.. هنا الإبداع

كتب: خالد عاشور

 

“أنتيجون” مسرحية تحكي أسطورة يونانية قديمة كتبها سوفوكليس، ثم قام الكاتبان الفرنسيان جان كوكتو وجان أنوي بإعادة صياغتها بطريقة عصرية.. تتحدث المسرحية عن مواجهة الحاكم الديكتاتور.. البطل هنا هو الحكاية.. ليس دور الفن هو الموعظة بقدر ما هو سرد الواقع الأشد غرابة من خيال أي كاتب.. تحكي الأسطورة عن “أوديب” الذي قتل والده الملك وتزوج من أمه وأنجب منها أربعة أبناء هم  “إيتيوكليس” وأخاه الأ‌صغر “بولينيس” و”أنتيجون” وأختها “إسمين”، وحين أفاق ضمير “أوديب” عن جريمة قتله لوالده وزواجه من أمه، فقأ عينيه وترك السلطة لولديه “إيتيوكليس” و”بولينيس” إلا أنهما اختلافا على الحكم، فاتفق “إيتيوكليس” مع خاله “كريون” على طرد أخيه الأ‌صغر، ليدخلا فى صراع ويقتل كل منهما الآ‌خر، ويصبح الخال “كريون” هو الحاكم، ويقرر لحظة تملكه السلطة أن يشيع جثمان حليفه “إيتوكليس” في احتفال مهيب، بينما يأمر بترك جثة “بولينيس” دون دفن لتنهشه الوحوش المفترسة عقوبة لخيانته، ويتوعد من يدفن الجثة ويخالف أمره، بالموت.!

تتحدى “انتيجون” الديكتاتور “كريون” وتقرر دفن جثة أخيها، يعلم “كريون” بالخبر فيقتلها، رغم حب ابنه “هيمون” لها، وحين يصل الخبر ابن “كريون” يقتل نفسه وتتبعه أمه كمداً عليه وهي تلعن “كريون” الديكتاتور.

العرض الذي قدمه مسرح الطليعة الشهر الماضي – وللأسف لمده شهر واحد – لم يكن فقط مفاجأة لي.. المفاجأة الأكبر أن أبطال العرض لا زالوا طلبة بالمعهد العالي للفنون المسرحية، بعضهم في الفرقة الأولى وأكبرهم لم يتخرج بعد بقيادة أستاذهم النجم والفنان القدير الذي تفوق على نفسه وقد كتبت عنه رمضان الماضي حين شارك في مسلسل (سجن النسا) بقيادة المخرجة المبدعة كاملة ابو ذكري في دور رائع قلت عنه حينها أن علاء قوقة كفنان لديه من الإمكانيات ما لم يخرج بعد.. وها هو يظهر بعضاً مما لديه.. لم أر فنان عادي على المسرح.. تفوق علاء قوقة على توفيق الدقن الأستاذ القدير والفنان العظيم في مسرحية (هنا أنتيجون).. جدد من أداءه ومن طريقة التمثيل حتى أنه جعل من يراه يشعر أننا أمام طاقة فنان كبير قامة وفناً.. علاء قوقة كان البطل الأكبر في المسرحية – ربما كان الاسم الأجدر للمسرحية (هنا كريون- أو (كريون ملكاً) .. دار في فلكه تلامذته الذين لم يبخل عنهم بمعرفته وعلمه.. ظهرت البطلة الرئيسية الطالبة بالفرقة الأولى بالمعهد العالي للفنون المسرحية (هند عبد الحليم) في دور “أنتيجون”،  لم أصدق انها طالبة بالفرقة الأولى.! فإمكانيات ممثلة كما رأيت تقول إننا أمام ممثلة متمرسة وقوية.. أضف إلى قدرتها الرائعة على التمثيل صوتها الأجمل.. صوت يأخذك إلى السماء وأنت جالس بالمسرح.. برغم نحافتها وصغر سنها إلا أنها أثبتت بجوار أستاذها المعلم الفذ والعبقري د. علاء قوقة أنها فنانة تخطو إلى إثبات نفسها بقوة واقتدار اشكر عليه أستاذها الذي اختارها ووثق فيها.. ثم تأتي المفاجأة الثانية (محمد ناصر) الذي قام بدور (هيمون) هو الأخر طالب بالفرقة الأولى.. كيف استطاع علاء قوقة اكتشاف تلك المواهب.. كيف جازف وتحمل أن يخوض تجربة كبيرة كتلك بطلبة لا خبرة لهم ليثبتوا لنا أن الموهبة لا زالت هي المقياس الأروع للفنان مضافاً لها الدراسة.. ثم مفاجأة الفنانة (رحاب خليل) في دور” أسمين” التي لا تقل روعة عن الجميع.. المفاجأة الأكبر هي المخرج الشاب (تامر كرم) فقد أضاف إلى النص أبعادا أخرى ولم يتقيد بما هو قديم.. جدد كما رأي هو.. صنع لنفسه رؤيته وعالمه الخاص.. لم يقلد ولم ينجرف نحو النسخ.. فخرج لنا مخرجاً قوياً كلي ثقة أن القادم له سيكون كبيرا وسيلمع اسمه قريباً كمخرج مسرحي لا مثيل له.. المفاجأة الأعظم في مسرحية (هنا أنتيجون) هي مدير الفرقة الفنان النبيل والمثقف (محمد الدسوقي) الذي أخذ على عاتقة تكلفة المغامرة وتكلفة التمويل بعد أن غابت وزارة الثقافة ووزيرها عن حضور عرض كبير بحجم عرض مسرحية (هنا أنتيجون).. قاد الفنان (محمد الدسوقي) فرقته فخرجت لنا مسرحية أعادت لنا زمن وفن نفتقده كثيراً في وقت نحن في أمس الحاجة إليه.. تحية للفنان النبيل (محمد الدسوقي).. وتحية خاصة للفنان الكبير د. علاء قوقة لأنه أستاذ حقيقي وفنان أروع… التحية أيضاً للقائمين على مسرح الطليعة لاختيارهم تلك المسرحية الرائعة.. وأخيرا تحية خاصة للفرقة الموسيقية التي أظهرت روعة وحرفية وعذوبة أضفى للمسرحية بعداً آخر زادها روعة وجمالاً.. كل ما أتمناه أن تعرض تلك المسرحية مرة أخرى وعلى نطاق أوسع وبتمويل اكبر واهتمام من وزارة الثقافة حتى لا ينقرض فن هو أبو الفنون وأعظمها.. أنه فن المسرح.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى