التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

يوميات امرأة مشعّة

كتب: عادل الميري

عادل الميري
عادل الميري

 

 

 

نعمات البحيرى/ مكتبة الأسرة / 2006

تبدأ المؤلفة الرواية بذكر أنها كانت قد بدأت فى كتابتها، عندما أدركت أن الكتابة هى إحدى طرق العلاج من مرض السرطان، نفهم أنها كانت تعالج فى معهد أورام السرطان الواقع بفم الخليج، ثم تفسر عنوان الرواية قائلة انها كانت قد تعاطت كماً هائلاً من الأشعات والإشعاعات، مما يجعلها إمرأة مشعة، ثم تضيف (ولا أدرى مقدار الخطورة التى يمكننى أن أصيب بها الآخرين)، وكذلك (طرأت لى فكرة الذهاب الى كل أعدائى وأولهم أبى، الذى لم يمنحنى بهجة حتى ولو منقوصة، حيث نشر عناصر الرعب والقسوة فى سمائى، مثل دخان أو غاز مسموم، جعلنى أتهيب كل شئ، البشر والمواقف والعلاقات والأشياء).

كان أبى يتغذى وحيداً، وتقف أمى (زنهار) حتى يفرغ من طعامه، وما علينا نحن أولاده إلا أن ننقض على ما تبقى منه من طعام (وبختك يا بو بخيت)، وذلك هو ما أخرجنا جميعاً الى الحياة بصحة معتلة، وبأمراض فقر دم وسوء تغذية وخصاء ذهنى ولعثمة وعاهات. ثم انه لم يكن يريدنى أن أذهب الى الجامعة، و ما كان علىّ الا أن أرضخ لإرادته وأكتفى بدبلوم متوسط، ولكنى رفضت وتمردت عليه (لست إمرأة يختزل دورها فى الحياة الى مجرد أن تكون قطعة لحم يلتهمها الرجل كل مساء) (ثقفت نفسى بنفسى فى الوقت الذى لم نكن نعرف فيه فى بيتنا إلا بطاقة التموين) (ولكنى مع الوقت شعرت بأنى أقرأ ثقافة وأعيش تخلف) (لكنى كنت عبر القراءة أجدنى أفك قيودى واحداً واحداً، وأعمل على حل العقد التى تسبب فيها غيرى).

حاول الجراح أن يدارى خطورة مرضها، بالإدعاء بأنه سيضخم من حجم المسألة فقط، ليحمس المسئولين فى عملها، على الإسراع بتقديم التسهيلات اللازمة لإجراء التحاليل والفحوص. وبعد ذلك كان يجب المرور بدرجات متفاوته من بيروقراطية الجهاز الإدارى، الذى التصق مثل السرطان بكل المستشفيات والمؤسسات العلاجية، كان يجب البدء فوراً بجمع كم هائل من التوقيعات والأختام على استمارات التحاليل والأشعات، رحلة بدت كمسيرة متهّم أخذوه (كعب داير)، يلفون به على جهات أمنية عديدة للتأكد من أنه ليس مطلوباً على ذمة قضايا أخرى، كان لابد من التأكد من براءة بقية أعضاء الجسم، من نفس المرض أو من أية أمراض أخرى. وظائف كبد / وظائف كلى / أشعات على الصدر والبطن والحوض/ مسح ذرى على العظام خشية أن يكون المرض قد أرسل إليها بعض رسائله الحميمة.

سرت فى ردهات المستشفى، متجاهلة منظر الأطفال المرضى، ، بوجوههم الحمراء المصفرة، ورؤوسهم الخالية من الشعر من أثر العلاج الكيماوى، كنت أراهم مثل كائنات قادمة من عالم آخر. حتى الممرضات جامدات الوجوه قصيرات القامة، بدون لى مثل أورام سرطانية صغيرة تسير على الأرض. دخلت حجرة أشعة الرنين المغناطيسى، فأدى ضيق المكان الى تأجيج سعة الخيال، تخيلت نفسى فى فضاء واسع، حيث أسمح لهوس الذكريات، بأن يمخر عباب البحور القديمة ليأتى بقلاع الدهشة. نظرت إلى صدرى فى المرآة باعتباره المتهم الأول، وبقية الأعضاء من حوله، تسعى سعياً حثيثاً لإنكار التهمة وإثبات براءتها.

تذكرت كيف قاومت عقبة سخيفة كادت أن تدمر ما تبقى من أعصابى، حين حاصرنى شعور طاغ بالاغتراب، عندما رأيت مدينة الشروق الجميلة، التى سكنتها منذ أكثر من عشر سنوات، وكانت خالية تماماً من البشر ومن أية مظاهر للحياة، وجلست أتشوق الى مقدم البشر، فإذا بهم يأتون صعايدة وفلاحون هاجروا الى البلاد العربية، وقدموا بالأموال التى مكنتهم من شراء شقق المدينة، فقاموا بترييفها. فضلاً عن أنهم وبعد وقت قصير، ووسط فوضى الغابة، راحوا يعتدون على المساحات الخضراء أمام العمارات، ببناء توسعات تدخل الى شققهم مساحات شاسعة، أفسدوا علىّ الأفق الذى كنت أراه ممتداً الى السماء، والتهم الأسمنت المسلح والطوب والجير والزلط مساحة من الخضرة، كنت قد زرعتها بنفسى ذات يوم حين قدمت إلى المدينة. رحت أغلق على نفسى شيش النوافذ والشرفات، وقد صرت مرئية للأطفال والرجال والنساء، مثل علامة استفهام وحيدة، فقررت أن أهاجر من المدينة التى تم ترييفها، الى مدينة أخرى جديدة، ربما تمر خمس سنوات قبل أن يداهمها غزو مماثل.

تعبت من الترحال الدائم الى مدن كانت فى البداية هادئة، ثم سرعان ما تغزوها بالتدريج عناصر الضجيج والقبح والعنف. شاهدت من نافذتى صبياً يمسك به حارس العقار ويضربه بعنف، فنزلت الى الشارع للدفاع عنه، فادعى الحارس أن الصبى سارق، والصبى يدافع عن نفسه، أدركت ان الحارس يريد تلبيس هذا الصبى هذه التهمة. (إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب، لذلك يحاول كل خروف أو حتى كتكوت، أن يكون ذئباً على الآخرين، خاصة أولئك الأشد بؤساً وضعفاً منه).

تقول المؤلفة أنها عندما تذهب من شقتها فى 6 أكتوبر، الى معهد السرطان فى فم الخليج، فإنها تستعمل السيارة السرفيس (التاكسى الجماعى)، فتجلس الى جوار السائق وتدفع له أجرة نفرين (كنت أخشى أن يرتطم أحد بجرحى الذى كان ما يزال طرياً) (بدأت العيون توجه إلىّ سهام الإدانة بالترف والرفاهية، ولا أحد يدرى بحقيقة عذابى) (نزلت عند كورنيش النيل وأنا أحس أن عيون الركاب تزفنى بنظرات الغل والحقد والحسد) (أخذت تاكسى فسمعت من جديد من سائقه تلك الأسئلة التى يوجهونها إلىّ دائماً: هل أنت مسيحية؟ ولماذا إذاً أنت غير محجبة؟). وجوه عاملات التنظيف فى المستشفى تتابعنا، نحن نساء الثدى الواحد، بعيون مفتوحة ربما على جيوبنا أو على حقائبنا الجلدية، دون أن يأبهن بمواقع الألم، يروننا مجرد نوافذ مفتوحة للرزق. أما الأطباء فيتعاملون معنا نحن المرضى، بحالة من الاستعلاء، لم يتحدث معى واحد منهم، يبدون لى مثل كهنة المعابد فى مصر القديمة، يحرصون على غلق أفواههم خشية أن تسقط منها الدرر.

على مدى عشرين عاماً حرّرت نفسى بالقراءة والكتابة، وأنا أعاهد نفسى على تفادى ميراث أمى من الاستسلام والإذعان، وقد تجنبت الزواج حيث أننى أعتقد أن إراحة عضو لا يكون على حساب بقية الأعضاء، ولكن القهر يتابعنا أينما ذهبنا، نحن نساء الشرق، أو بالأحرى نساء العالم الثالث، أو فلنكن اكثر دقة، نحن نساء العالم العربى الاسلامى، فاذا لم نتزوج طاردتنا الشائعات، واذا مات الأب أو ضعفت سلطته الأبوية، ظهر الأخ الأكبر، الذى يحل محل الأب، وتنتقل اليه سلطات الأب، واذا مات الأخ الأكبر أو ضعفت سلطاته، حل محله أخ أصغر، وهكذا دواليك لا تصل المرأة أبداً فى بلادنا الى سن الرشد، ويظل أصغر اخوتها الذكور، قادراً على أن يحيل حياتها الى نار الجحيم. ويمكن حتى لأى جار أو حتى أى عابر سبيل، أن يلعب هذا الدور مجاناً، وأن يستمتع بلعبه، وأن يتقن أداءه، ولاعزاء للسيدات، لذلك تفضل الكثيرات الخلاص من هذا الجحيم، بالزواج من أى رجل والسلام، والمثل الشعبى يقول (ضل راجل ولا ضل حيط)، ومشاكل مستعرة مع رجل واحد، أفضل بكثير من مشاكل مستعرة مع كل الرجال، وقد يكون الموت أرحم فى بعض الأحوال.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى