التخطي إلى شريط الأدوات
مسرح

“سوء تفاهم” …  المأزق العبثى !

كتب: أمير مصطفى

 

أمير مصطفى
أمير مصطفى

 

 

 

” لسنا ننشد عالما لا يُقتل فيه أحدًا ، بل عالم لا يمكن فيه تبرير القتل ” – من النص الأصلى –

قد اختار المخرج المسرحيّ رامى نادر لنفسه تحديًا شديدة الصعوبة يراهن به على موهبته وكفاءته كمخرج ، بل أيضًا جاء تحديًا للمسرح المستقل ككل، عبر اختياره تقديم العرض المسرحى (سوء تفاهم) .

إنّ سوء تفاهم مسرحية ثقيلة جدًا لألبير كامى تمثل قمة المسرح العبثىّ،  فى المسرح العالمىّ ،  حيث العبث هو الفكرة المحورية التي يدور حولها العرض فى محاولته للتعامل مع أحد أبرز معطيات العصر،) سوء التفاهم) مع ذلك العالم و الكون الذي يعيش فيه الإنسان بمنتهى السخافة و اللامعقولية في مناحِ كثيرة من يومه المعتاد؛

فمهما جاهد الإنسان في فهم الأشياء تـأكد له استقلالها عنه بلامبالاتها الجذري بمصائره وأقداره و غاياته الخاصة، حيث تؤكد الحياة يوميًا جهلها المطبق بالإنسان وغربتها عنه ، وهو إحساس وجوديّ مجرد نابع من قلق هذا العصر، ذلك العالم الوجوديّ الذي يبدو كصخرة متحجرة لا سبيل لفهمه والتكيف معه، وبالرغم من حساسية الإنسان،  واندفاعه نحو الفهم و نحو تبرير هذا الوجود إلا أنه دومًا يوجد بينه و بين معطيات ما حوله  (سوء تفاهم) لا سبيل لحله. وتلك هي النقطة المحورية العبثية  (لامعقولية العالم) .

 بعد أن عرفت هويته ، قالت الأم: “لم أعرفه فقتلته” . – من النص الأصلى –

“حين لا تعرف الأم ابنها فعليها أن ترحل” . – من النص الأصلى –

تلك الفكرة العصية على الفهم لدى المشاهد العادى هى فى ذاتها أصعب تحدى لمخرج العرض لطرحها ، بخلاف كونها فكرة نابعة من فلسفة غربية تمامًا، وتدور جميع أحداثها بمكان مستحيل تواجده بمصر فتولد المشاهد إشكالية شعوره بالأغتراب من الفكرة والأحداث معًا .

إضافة لذلك فقد حاولت السينما المصرية طرح تناول لنفس الرواية عبر فيلم المجهول،  للمخرج أشرف فهمى فى عام 1984.

وقد تناول أشرف فهمى فكرة العرض بتحديد مكان غربي لتدور خلاله أحداث الفيلم بما يتناسب مع طرح ألبير كامى ذاته ( حيث تدور أحداث الفيلم في أحد الأماكن النائية بكندا حيث تعيش مديحة مع والدتها وتديران فندقا صغيرا بعد أن هاجرا من مصر عقب طلاق الأم التي تخفى عن ابنتها أن لها شقيقا بالقاهرة يدعى ناجى ،  وتطلب مديحة من الأم الكف عن الطريقة التي يحصلان بها على أموال النزلاء بتخديرهم والقائهم في بحيرة قريبة من الفندق بواسطة خادم أبكم وأصم. يصل ناجى إلى كندا مع زوجته فاطمة بعد وفاة والده للبحث عن أمه وأخته والعودة بهما إلى القاهرة بعد أن ورث ثروة كبيرة عن والده. ينجح في الوصول إلى الفندق وينزل تحت اسم مستعار رغبة في معرفة أسباب انفصال أمه عن والده. يتم تخديره ويأخذه الخادم ليلقى به في البحيرة لكن الأم تكتشف عند فحص حافظة نقوده أنه ابنها فتصرخ وتجرى للحاق به، إلا أنها تصل بعد فوات الأوان فتلقى بنفسها وراءه في البحيرة.) تلك كانت رؤية أشرف فهمى التى لم يكتف رامى نادر بمواجهة كل التحديات السابقة إلا أنه أضاف على عاتقه إيضاً أزمة مقارنة آداء الممثلين فى عرضه مع أداء عمالقة بوزن سناء جميل وعادل أدهم ونجلاء فتحى !

كان هذا التحدى الأصعب للمخرج رامى نادر الذى قرر بنفسه مواجهته واجتيازه عبر مسرحيته المقدمة بذات الاسم، والمقدمة خلال تجربة من تجارب المسرح المستقل بكل ما يحمله من مشاكل ومعوقات للأبداع .لقد نجح رامى بامتياز فى مواجهة التحدى والتفوق عليه، استطاع ببراعة فذة اخراج عرض محمل بكل تلك الإشكاليات للجمهور وصنع حالة حقيقة من المتعة للمشاهد وقرب المسافات الشاسعة بين المتلقى العادى ومسرح العبث ، فعل كل ذلك من خلال امكانات معدومة وتحديات هائلة يقابلها كل مسرحى مستقل بدأ من انعدام الانتاج والاكتفاء الذاتي بموارد أفراد الفرق الذين ينفقون أموالهم فى سبيل تقديم فن محترم !!

وإنتهاء بالصدام الملحمى مع الهيئات الحكومية فى سبيل الحصول على خشبة مسرح لتنفيذ العرض .

قام رامى عادل باستخدام تقنيات جديدة جدًا ومبهرة على المسرح مستوحاة من تقنيات التصوير السينيمائى ، فاستطاع تنفيذ كواليس متحركة بصورة بالغة الاحتراف قلما وجدت على مسارح الهواة ، ومن خلالها استطاع تنفيذ تقنية (الزووم ، تقريبًا وابتعادًا) ليقرب المشاهد من لقطة بعينها على المسرح ويعزل الرؤية عن باقى الموجودات المطروحة ، بل لقد استطاع من خلالها أن يقسم المسرح إلى (كادرين) يحتوى كل منهما على صورة مختلفة وكإننا أمام شاشة سينما ولسنا فى مواجهة خشبة مسرح ، ولقد نجح تماما فى الإيحاء بذلك لكل مشاهد بقاعة العرض .

أيضا و بمعونة مهندس إضاءة عبقرى استطاع التخلص تمامًا من مشاكل الإضاءة المتناقضة المبهرجة التى هى آفة المسرح المستقل، والتى غالباً ما تحجب عن المشاهد ما يدور على الخشبة ليخرج عرض رامى واضحًا جليًا تفاعل خلاله المشاهد مع كل لفته للمثلين على المسرح وتجلت عبقرية المخرج ومهندس الإضاءة فى مشاهد الدوار لدى الأبطال الناجم عن تعاطيهم للسم .

كما أجاد وبشدة أختيارات الديكورات التى غالبًا فى العروض المشابهة ما تكون ساذجة مختلقة غير موحية على الإطلاق .

لقد كان المخرج هو بالفعل نجم العرض بلا منازع بالرغم من عبقرية وتألق باقى فريق العمل وعلى رأسهم أبطاله.

كذلك أجاد المعد مصطفى سليمان فى تقديم العرض باللهجة المصرية وتقريبه لعقلية متفرج مصرى برغم بعض الأخطاء الواردة مثل أستخدام ألفاظ عميقة فى حوار بسيط بين الأم والأبنة مثلما قالت لها ” قوليلى وأنا هتفهم ده ”  وأيضا تصريح الأم بأن الأب هاجر لأن ” المكان أضيق من احتياجاته ” ، وهذا حديث لا يرد على لسان تلك الشخصيات القاتلة التى هى المعادل الغربى لريا وسكينة ، ووقوع المعد فى فخ الترجمة مثلما قال البطل ” مش شايفة خاتم الزواج ” !! وهو يقصد (الدبلة) كما يتفق مع ثقافتنا ، أو ذكره لمثل إنجليزى يجهله المتلقى المصرى مثل ” الفضول قتل القط ” ، وبالرغم من أخطاء الحوار المعدودة إلا أنه نجح إجمالاً فى صنع رؤية ممتازة لرواية صعبة فى الأصل ، كما أختلف معها فى النهاية ليؤكد حتمية العبث حيث يستمر القتل غير المبرر وإن تغيرت الضحية وأختلف السفاح .

كان تحدى الممثلين فى هذا العرض مساويًا لتحدى المخرج بوجهة نظرى حيث مقارنة أداء ذات الشخصيات بين ممثلين هواة وممثلين مخرضمين عمالقة فى مجالهم هى إذاً مقارنة مجحفة ولكنها حتمية للأسف.

وقد حاول الممثلون تجاوز ذلك عبر تناول الشخصيات بصور مختلفة عن سابقتها ولكن ليس بالصورة التى تنجيهم من المقارنة الظالمة تلك .

ولعل أبرز المتفوقين فى هذا الاختبار كانت سلوى أحمد (بطلة العرض) التى استطاعت تقديم صورة القاتلة المتبلدة بآداء متناغم سلس شديد الخصوصية جعلتها بعيدة كل البعد عن آداء نجلاء فتحى فى ذات الدور .

وكذلك (الأبن) أحمد الدقاق الذى تجاوز بآداءه المرح خفيف الظل الجدية البالغة لدى عزت العلايلى !

ولكن للأسف سقطت نسمة عبد العزيز فى فخ المقارنة مع الفذة سناء جميل فى آداء دور الأم وجاء آداءها فى الكثير من المشاهد مصطنع مبالغ فيه وهى آفة أخرى لدى ممثلين المسرح المستقل.

وللأسف كان الأسوء فى تلك المنظومة الجميلة منذر الفخرانى الذى كان ضحية مواجهة الأسطورة عادل أدهم فكانت المعركة خاسرة تماما بالرغم من موهبته المتقدة .

أخيرًا جاء العرض شديد الرقى والاحترافية وكأنه تناول فرنسى للرواية بميزانية ضخمة وليس محاولةً مستميتةً من

قبل فنانين مصريين لا يمتلكون إلا الموهبة،  بإمكانات معدومة فى موجهة ظروف لا ترحم.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى