وشوشة

طبل الصفيح … التطبيل كسرد لمأساة المانيا

كتب: خالد عبد العزيز

خالد عبد العزيز
خالد عبد العزيز

 

 

 

يا الهي لماذا لم أقرأ هذه الرواية من قبل ؟

هذا السؤال أول ما تبادر الى ذهنى فور أن أنتهيت من قراءة ملحمة جونتر جراس الطبل الصفيح التى صدرت طبعتها الاولى فى 1959 فى المانيا . ثم حولت لفيلم سينمائى عام 1972 من اخراج المخرج الالماني الكبير فولكر شوليندورف حصد عنه الأوسكار و جائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان السينمائى . و أخيرا صدرت ترجمتها العربية عن دار الجمل عام 2000 بعد الاعلان عن فوز جونتر جراس بجائزة نوبل للاداب . و صدرت طبعتها الجديدة فى 744 صفحة عن دار الجمل ايضا و بترجمة حسين الموزونى بعد أن صحح بعض الأخطاء الواردة فى الطبعة السابقة ( مع العلم أن الرواية مليئة بالأخطاء اللغوية )

تدور أحداث الرواية عن الطفل أوسكار الذى وعدته أمه بشراء طبل صفيح له عندما يبلغ الثالثة من عمره و بالفعل يحصل على الطبل فى عيد ميلاده الثالث لكن أيضا ً يتوقف نموه الجسدى عند هذه السن و سنيمتراته الأربع و التسعين المُشكلة لطول قامته القزمية ، وذلك بناء على رغبته بأسقاط نفسه من على السلم المؤدى الى القبو .  .

من هنا تبدأ الرواية ومسار الحكي فى التشكل رويدا رويدا و ببطئ شديد قد يسبب الملل احيانا ً لو لم يتحل القارئ بالصبر . أعتمد جونتر جراس على الوصف المسهب الملئ بالاستطرادات ، المُتشعب الذي يُدخل القارئ من شارع ملئ بالحكايات ليرجع به من شارع أخر ممتلئ أيضا ً بالمزيد من الحكايات .

تتكون الرواية من ثلاثة أجزاء أو كما سماها جراس ثلاثة كُتب :

الكتاب الأول : يسرد فيه جراس عائلة أوسكار الأولى و تأسيسها بدءا ً من جدته الكاشوبية ذات الأثواب الأربعة و جده كولياجك ، مرورا ً بميلاد الأم و أوسكار نفسه و حصوله على طبل الصفيح و أكتشاف موهبته فى التطبيل و تكسير الزجاج بصوته .

الكتاب الثاني : حياة أوسكار أثناء مراهقته و علاقته بماريا و ألتقاءه بأستاذه بييرا و سفره للخارج مع الجيوش الالمانية المحاربة للعمل مع فرقة الترفيه مع أستاذه بييرا و تعرفه على روزيتا الجميلة .

الكتاب الثالث : الأعمق و والأعذب و الأجمل وفيه يرصد جراس تطور حياة أوسكار و تغييرها بالكامل و عمله فى التطبيل مُتتبعا ً رحلته حتى النهاية الغريبة التى سعى لها أوسكار بنفسه .

طبل الصفيح
طبل الصفيح

الغريب فى الرواية أن كل الشخصيات التى التقاها أوسكار بطل الرواية أو أرتبط معها بعاطفة ما لا بد و أن تموت فى  النهاية و عن هذه النقطة تحديدا ً يقول جراس فى أحد الحوارات المنشورة معه ” كل الشخصيات التي قدمتُها كانت ميتة في نهاية الفصلِ الأول. لم أتمكن من المواصلة! ذاك كان درسي الأول في الكتابة: كُن على حذرٍ بشأن شخصياتك ” .

لكن أوسكار كان فى أغلب حالات الموت التى أمتلئت بها الرواية كانت له يد فيها ، مثل حادثة وفاة يان برونسكي و ماتسرات و أمه وروزيتا . كل ما أحبهم أوسكار ماتوا و بقى هو ، أعتقد أن هذه أشارة ورمز بأن أوسكار يُشير الى المانيا التى تفقد أبنائها فى الحرب مثلا ً أو أثناء الحكم النازي .

السرد قائم على جزئين أولا ً : ضمير المُتكلم ، ثانيا ً ضمير الغائب مما يُسبب الأرتباك فى بداية قراءة الرواية ، لكن بعد الأستمرار فى القراءة سيتعود القارئ على هذه الحيل التى يستخدمها جراس و التى جاءت مُتسقة مع بداية الرواية التى يُخبرنا فيها أوسكار بأنه نزيل مصحة للأمراض العقلية .

نهاية الرواية تبعث العديد من الأسئلة ، رغم عذوبة السرد و الشجن الذى يُغلف سرد أوسكار تحديدا ً فى الكتاب الثالث ، الا أن مسار الحياة التى أتخذها أوسكار سواء مُصادفة أو وفق القدر فهي غريبة للغاية وتحديدا ً تضحيته بنفسه من أجل صديقه فيتلار ، الذى لم يحظى بنفس نصيب أوسكار من الشهرة ، فيجعله أوسكار يُصيب بعضا ً منها ، بأبلاغه عن أوسكار و أتهامه له بقتل المُمرضة جارته السابقة فى السكن . رغم علم فيتلار بعبث البلاغ الذى تقدم به ، ألا أن تضحية أوسكار بنفسه من أجل صديقه جاءت وكأنها رغبة منه فى التطهير ، تطهير ذاته من أضطلاعه بشكل أو بأخر فى حالات الموت التى عايشها لكل من أقترب منه أو أرتبط معه ففى علاقة ما .

برع جراس فى وصف المشهد الخاص بدخول أوسكار حجرة الممرضة جارته و أستكشافه عالمها ، أحد أجمل و أعذب مشاهد الرواية على الأطلاق، رغم طول المشهد الذى يبلغ بضع صفحات، ألا أن جراس نجح فى جذب القارئ لكي يستكشف بعينيه ما يراه أوسكار ، فخرج المشهد بشكل لا يوصف من فرط جماله .

الرواية صعبة و أحداثها بطيئة، لكنها مُمتعة ، و متعتها تزداد مع نهايتها مع أتضاح كافة خيوط السرد و الكشف الكامل للأحداث .

قرأت الرواية فى مدة طويلة نسبيا ً تقترب من الأسبوعين، و أعترف أني كنت أوشكت أن أتركها و لا أعود اليها ، لكن كلما نويت تركها، كُنت أستكشف شيئا ً جديدا ً يُقربني من عالمها، و مُتعة الأكتشاف تُضاف لمتعة القراءة ، فهنأت ُ بمتعتين و هذا الحال دوما ً مع الروايات العظيمة .

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى