التخطي إلى شريط الأدوات
روايةمشاركات أدبية

فصل من رواية مورفين

كتب: إيهاب نجدت

– الدفتر الثالث –

 

 

” لما شبقتنى ” خيانتُك لى, كانت أكبر من اختبار الأب للابن, أكبر من اختبار صاحب القربان لضحيته, سأقطف لك الورود هذا الصباح, أقطف الورود لروز ! مفارقة لكنها ليست بالغرابة التى تتخيلينها ففى الحياة ما هو أغرب, فى الحياة ما يلُقِمُنا أشياء أغرب مما كنا نتوقع, لحظات من الصمت والخوف واللا وعى نملؤها بمفاهيم فارغة تبدو لنا عميقة وتطاول قاماتنا الجبال زهوًا بها, وسعادة بما نتخيل أننا نُلهم به, أو حتى نخطه فى دفاتر يومياتنا, رغم كوننا فى الواقع لا نتخطى عتبة اللغة ذاتها، التى لا تحتوى سوى القليل من الكلمات المعبرة والأخرى التى لا يكفى جذرها الثلاثى لاكتشاف كنهها، هنالك أشخاص من الأفضل أن يظلوا كالحلم فى حياتنا, إن صاروا واقعًا وحقيقة نمتلكها, أصابوا ذاكرتنا الهشة بدوار تضيع على إثرِه الأحاسيس المختزله والسعادة المختبئة وراء حروف تنزف. ثلاث حروف أوقعوا كل ما أملك , وضعوا ملامحى نهبًا للريح, أسقَطوا آخر أعمدة الكون فى عالمى ولم أعد بعدهم سوى ذاكرة موت, تحمل فى داخلها شبه حياة مُتخلية, الأماكن لها روائح والصلاة لها طعم , حتى الله يتلون فى كل مرة حسب آلالامنا وتجاربنا بل وحتى احتياجنا, عندما نُصاب بالتعب نطرق كل الأبواب, ونُصلى بكل اللغات, نلتهم كل الأدعية التى تلقاها أرواحنا خلاصًا ولو مؤقتًا, لا يكفينا نبيذٌ واحد, دمٌ واحد, ولا خبزٌ واحد, جسدٌ واحد. أكره ان أبُقى نافذتى مفتوحة, فحينها لا أشعر بالأمان , كما لو أن هناك شخصا ما يرقبنى منتظراً ان أفتحها فقط ليجتاح عوالمى، كما أخشى النوم موليًا ظهرى لباب مفتوح.

, وحتى حين يملىء النافذة الهواء الرطب لصباح ممل أخر من صباحات هذة المدينة المفرطة فى كآباتها, تُعلمنا المدن الكثير عنا, تمنحنا أشيائها الكثير من الصمت والذكريات, مدنًا نُدرك عشقنا لها من المرة الأولى, كالمرأة التى تُغوى من مجرد النظر إليها, مدنًا لا نطيق الجلوس فى ساحاتها أكثر من دقيقتين, ربما لأن الزحام يصيبنا بالدوار, وربما لأننا نكره أن نكون عاديين وبلا تفاصيل مُلفتة فى قلب تروس تهتك المشاعر وتغتال البراءة الطفولية التى تحملنا على النظر بدهشة للأشياء, المحال, الألوان البراقة, العناوين التى تُقاتل بعضها محاولة إثبات الأقدمية, التماثيل التى عبرت صفحة تاريخ يزحف على بطنه فخلّدها قواد لم يكن يرى سوى سيقان ونهود ! فى قلب المدن الكثير من الإغواء واللامبالاه, تحمل بعضها ذكريات هشة وتحاول الأخرى أن تكون جميلة, إذا أردت أن تعرف حقيقة المرأة , فانظر إليها وأنت مغمض العينين, وإذا أردت أن تعرف حقيقة مدينة فانظر لها بعد ليلة طويلة من الإنهاك, انظر لشوراعها صباحًا, كامرأة تستيقظ من نومها بدون زينة, انظر إلى شوارعها فى عُريها الكامل, فكما أن هناك مدنًا لا تصلح للحب, هناك أيضا أشخاصًا لا يصلحون للحب, فلتعذرينى كونى أضعف من أن أحبك وأمنحك شوقًا خرافيًا لعاطفة ميتة .

منذ أكثر من زمن وأنا أراوض ما بداخلى عن كونه فراغا مسمطًا, جميل هو الإحساس بالفراغ, ورائعة هى تجربة الكتابة لمن لا نعرفهم لكن يملؤنا شعور قوى بانهم سيقرأون ما نكتبه يومًا ما, وبأنهم سيكونون موجودين ذات يوم, دائما ما نحتفظ بداخلنا بجزء مقدس من الذكريات, أنتِ ذلك الجزء, حينما يغمرنى الحزن الشديد وتقتلنى الوحدة المفرطة أجرى لاهثًا ابحث عن صورك,  لقائنا للمرة الأولى, كان بمثابة إعادة إحياء لأحاسيس بدت لى لحظتها غريبة ورائعة أكثر مما ينبغى, فالكلام فى حضرة من تحب كالصلاة بدون وضوء, جُرمٌ فادح لا تقوى على ارتكابه أبدًا, فى ثنايا كل نظرة كان ثمة أحاسيس مُركبّة, وفى اللمسة الخاطفة كقُبل المراهقين, لا نهائية من الحب والشوق واللهفة, أعوام كثيرة وأنا أنتظر تلك اللحظة , أعوام كثيرة كنت احترف فيها الشعور بالألم وأتلذذ الوحدة مدعيًا فى بطولة فارغة أنها اختيار, علمتنى الأيام فيما بعد ان لا شىء اختيار سوى عذاباتنا ولا دموع سوى للـــ لا أحد. أتدرين، هناك أشياء تملؤنا ولا نعرف ان كانت هذه الأشياء او حتى هؤلاء الأشخاص الذين تملؤنا بهم, لا نعرف إن كانوا حقيقة أم مجرد توهُم خلقه احتياجنا لشيء ما, شخصًا ما, تتركُنا تلك الأشياء وهؤلاء الأشخاص محطمين ولا نعرف أو ندرك مما كان شيئًا, القدم التى ترقص ها هنا, والشفاة التى تنتظر هاهناك, لا يجمعهما سوى إحساس خفيف بالرعشة والدفء معًا, أقترب منك لأجد كل ذلك الزخم, أقترب أكثر فأكثر لأجد كل تلك اللانهائية, طيفًا من ورق.

فوضى مدمرة هى الحياة, ملعون هو العشق, أفيون هو الفن, لا شىء هناك البتة فلا تحاول الهرب.

كل شخص أكتب له, وكل لوحة تُرسم لامرأة ما فى حياتى هى جرح مفتوح يبقى غائرًا فى القِدم, تتناوب على روحى الألوان لِتُذكرُنى بكل وجه, فلكل وجه لون ما, ولكل وجه ذاكرة ما, أحيانا تأبى العيون أن تخبرنى ذاكرتها, لكن الوجوه بطبيعتها تفضح,أتعلمين كلما اقتربت أعياد الميلاد أشعر برغبة دفينة فى البكاء, لا لأنى سأكون وحيداَ فقط, ولكن خوفاَ من ألا تأتى, سأصلى صلاة عميقة ملىء كيانى وروحى وقلبى عل الله يدرك أننى فعلا غريب عن الأرض وآخر ما احتاجه هو ان يخُفى عنى وصاياه, يحلو لى أن أشُعل للليل ذكرياتنا معًا وأضع على حافة نافذتى وردة للغياب  .

تدرين, غريبة لعبة القضاء والقدر تلك, لا نفهم أبدًا المغزى منها كل مرة ولا حتى نُدرك ما تُخبئه لنا, إن كانت بالفعل تخبىء شيئًا !

تعرفت عليك من خلال تلك الغرابة عندما رقصت عيناى فرحًا وأنا أقرأ أخر ردودك على قصائدى, كنت أشعر أن شيئًا ما هناك, أن كلمات أخرى وراء الكلمات, برغم إن كلماتك لم تكن سوى مجاملات وردود كنت اعتبرها فى معظم الأحيان من الآخرين عادية, لكن منكِ أنتِ شيء مختلف, كانت الحروف ترقص وتغتال بعضها أمامى من الفرح, آه لذيذة هذه القهوة وأنا أتذكرك الآن.

لم أكن أثق بالمشاعر المبثوثة عبر شاشة صماء ولوحة مفاتيح تحولني لآله, لكننى حقاً شعرت بك كأنك معى, وكأننى أتنفس بجوارك, هل نلجأ لإنسان بعيداً عنا ربما لنشعر معه بالأمان ؟ , ربما لأنه لا يعرفنا حقيقةً فعندها نستطيع أن نُشركه فى آلامنا وأفراحنا وذكرياتنا, أو حتى نستعيد ما تمنينا أن نكونه فى صغرنا, نكون كما نريد فى عيونه مادام لم يعرف لنا ماض, بل ونخلق لنا ماضٍ جديد, وحاضرٍ جديد, لذيذة هى متعة الخلق, لكنها لا تدوم طويلاً وكأن الله يعاقبنا على محاولة أخذ مهمة من مهامه, دخان السجائر يكون أكثر اثارة فى ضوء خفيف, أليس كذلك ؟, شهوراً وأنا اكتب قصائدى كما هى, لم أكن واثقاً حد التيقن لأضع صوراً للوحاتى عبر الشبكة, لكنى كنت على يقين أنه ليس من مجنون يأخذ كلماتى ليهديها لشخصِ ما, فأنا أدُرك أنها لا تصلح فعلاً سوى لمن سكنوا أفراحى, شهوراً وأنا اكتب وردودكِ على حروفى ما بين العادى والمألوف, إلى أن جاء ذلك اليوم, حين سبنى شخصاً ما لا أذكر اسمه لكننى حقاً ممتن له كثيراً, عندها دافعتِ أنت عنى ورأيت فيكِ شخصاً يقف بجوارى فى محنتى على تفاهتها, أو ربما كُنتُ بحاجة لمجرد تعاطف شخص, أياً كان ما حدث فهو الحب بعينه, لأن الحب كما يقولون أجمل سوء تقدير بين اثنين ! وكان سوء التقدير, وكان الجمال, وربما كان الحب.

عندها أصررت أن أشكرك شخصياً وأحُدثكِ مهنئاً لأننا كنا بمواسم أعياد, مثلما نحن الآن, اشتقت اليكِ, وريثما وقعت عينى على صورتك اكتمل الحلم ..الوهم , كنتِ رائعه بلونك البُنى الذى أدركت فيما بعد عشقى له, لا لأنه  لون عينيكِ فقط ولكن لأنى أصبحت أرى الكون كله بُنى كطعم عينيك كما كتبت لك ذات مرة, تبادلنا أحاديث الشكر العادية ولكن هل كُنتِ تدركين كم كُنتُ بحاجة لأسمع صوتُكِ , لأراكِ .

لدى جملة اعترافات ربما بتأثير الحقن الكثيرة التى حقنوها تحت جلدى، الأحلام الكبيرة تمنحنا أحاسيس كبيرة, الصلاة لأكثر من إله تجعلنا منافقين بالفطرة, الجنون هو نعمة أهداها الله للبشرية, الخوف من أكثر مشاعر البشر صدقاً, الحب أكثر من مجرد أجساد تصرخ, الصدق مهمة مستحيلة, الكذب لافتة صغيرة كُتب عليها بخط باهت نحن هنا, الألم هو الوصول بالأشياء لأقصى ما لا نحبه, الموسيقى مخدراً يعالج الروح, الفن عملة قديمة صدئة ألقاها الله فى بحيرة من البشر والمسوخ, يُرسل كل يوم شخصاً ما ليتفقدها, الحياد هو اللون الأبيض الذى مازال ينتظر الإغتيال بقلم كهذا, الجمال هو ما لا تراه عيوننا أبداً, العاطفة سطور من الثرثرة نملىء بها عقولنا, القهوة مرض وذكريات نتلاعب بها جميعاً ولكن بطرق مختلفة, الفقر أقوى من الحياة, الموت درب من دروب السعادة اللحظية, الإنتحار هو القرار الوحيد الذى يتخذه الإنسان ملىء ارداته, الكتابة علاج لكثير من الأشياء, الأمل هو انتظار الشىء غير المتوقع حينما تصبح كل الأشياء حولنا قاتمة, بالحديث عن الزمن هل تُدركين أن الزمن أكبر المخادعين فى لعبة البشر المتسمة دائماً بالفوضى ؟ , فنحن لم نجلس معاً أكثر من ساعتين كما قلتِ آنذاك, ربما كان احساسى بالزمن والتقاطى لذبذبة المكان بطيئاً بعض الشىء أو منعدماً, لكننى كنت حقا سعيداً. كم أعشق تسلسل الشمس من خلال زجاج النافذة لكننى لا احبها حينما تكون ضوءاً حارقاً ذات مرة أخبرتك كم أعشق الزجاج والنوافذ وخصوصا المطر وهو يرقص من خلفها, كُلٌ منا يحمل فى داخله ارتباطاً ما بالمطر ولكن بأشكال مختلفة, لم تدركى وقتها أنه هذا انا, العاشق الذى يفُضل النظر إلى معشوقته من بعيد لاقطاً لكل نقاط جمالها وفتنتها لكنه يخاف من ضوءها مثلما يخاف من اختراق الشمس لغرفته, ربما لهذا بدوت فى نظرك ضعيفا وهامشياً, وربما أنا بالفعل كذلك, ولما ربما؟؟ ولما ما زلت أُصّر لآخر لحظة أن أضع ربطة عنقة ايطالية على كلماتى وأُلبِس حروفى بدلة كلاسيكية, أنا هامشى بالفعل, ذات مرة قالها شاعرك الأثير ” أخاف التورط فيكِ ” ربما نحن الشعراء فئة من الهامشيين الذين لا يملكون سوى اشعال الحرائق أينما حلوا, لكننى لم اكن أملك سوى أن أحبك, كنتِ رائعه وخرافية أكثر من اللازم. لذا تيقنت أنى سأفقدك يوما ما, حينما أخبرتنى أنك من مواليد برج العذراء طرت فرحاً, وكنت تستغربين من ولعى بالأبراج وتتهمينى عادة بعدم الإيمان فيجىء الجواب ضاحكا : ” الشعراء يتبعهم الغاوون ” آه يا روز لم ترفضى غوايتى يوماً, لم تكونى سوى منصتاً عميقا لآلامى وأحزانى الهلامية, كان الجو ممطراً وكلما أرى المطر أشعر وكأن السماء تبكى حبيبا ما

يُشعرنى المطر بحاجة لضمٍة منك, ربما لأنى أخاف البرد, وربما لأن المطر يمنحنا احساساً دورياً باللذة, غريب هذا المطر له القدرة على جعلنا أنقياء, ومتسخين أيضاً !

أمطرت الدنيا  ليكتمل الجو الخرافى للقائنا الأول, نعم لقائنا الأول, الإسكندرية , كم أشعر بلذة وحنين وأنا أكتب الحروف فقط, منذ صغرى وأنا مفتون بكل ما هو اغريقيى وهيلينى, كنت أحلم بنساء طروادة ومحاورات الفلاسفة فى اروقة اثينا, تماثيل الفنانين وحقيقتهم العارية, الجمال المجرد الذى آمنوا به, ربما ليس كل ما هو مجرد يجذب الإنتباه فقليل من الفتنة يضعنا على عتبة الإيحاء, اكتمل الحلم الطروادى القديم بكِ, لم أدخل عالمك على حصان خشبى ولم تكن هناك ثمة حرب استعيد به ما فقدته, لكننى هكذا دخلت, خائفاً, مرتبكاً, غريباً عن صخب المدن وآليه البشر, لم تكن ثمة حميمية حولى تشعرنى بطمأنينه سوى نظرتكِ لى, تلك العيون التى تقول أنا هنا من أجلك, كنت عائداً لتوى من آيات أندلسية جميلة سقطتُ فى عشقها. إنها رفيقة روحى اوركيديا  التى كانت الحلم الذى لم يكتمل والعشق الذى بدأ بإمرأة وانتهى بإمرأة اخرى, غريبة هى لعبة العشق تلك, تركت هناك امرأة تحبنى حد الجنون, لم تعطنى سوى روحها, دمرتُها فى سادية مفرطة, ربما لم أكن أحبها ولكننى كنت أحب حبها لى, لم يكن التأقلم مع الوطن بالأمر اليسير فالهروب وراء أحلام الشهرة والغرب الذى يُقدر الإبداع والشعور الدائم بأننى فى المكان الخطأ لم أُدرك حقيقة قيمة ما تركته الا حينما اختفى عن ناظرى, كان دخولى ذلك العالم العنكبوتى الغريب المسمى بالشبكة محاولة أخيرة للتأقلم, أترين حتى عندما أردت التأقلم بالفعل, تأقلمت مع عالم وهمى, مازلت اعشق الرؤية من خلف الزجاج , للبكاء نكهة لا يتذوقها إلا من عاش لحظات على حافة السعادة مثلما كنا معاً, لم نشعر أن القهوة تفقد دفئها, ربما لأن كلامنا كان أدفء, اخترتِ انتِ المكان, نظراً لأنى من غرباء العالم فلم أكن أدرى من أبجدية الشوارع شيئاً, ربما اختيارى القهوة كان ارستقراطياً وتقليدياً اكثر من اللازم, لكننى بالفعل كنت بحاجة لشىء ما يُعيد توازنى, يُعيد لى ذلك البطل الذى ظل لحظات مشدوهاً أمامك, كنتِ أروع مما ينبغى, ثلاث سنوات إلى الآن ولم أفقد ملامحك ذلك اليوم, محفورة فى ذاكرتى, هل الذاكرة تحفر فقط ما يجبرها على الخضوع ام أننا نضع أمامها أشياءاً كموديلز النحت ؟ لا أدرى لكننى كنت سعيداً, سعيدا فقط , كان خميساً أروع من كل العمر, وكان المطر الخميسى كما كتبت لكِ فيما بعد يشعرنى أن الكون كله يحتفل معى بأنى هنا, التقت الأيدى سريعاً وددت لو احتفظت بهما زمناً , زمناً يعيد البراءة, زمناً يبنى من الأصابع الناعمة طرقات لقصر موشى بألوان تطرزها

قصائد وعشق ومساحات من اللاغياب, شهيةً كنتِ ككأس من النبيذ ينضح الماء من حوله ربما لبرودة وربما للذة, عندها قلت لنفسى ان اليوم بالفعل قد انتهى واننى افسدت كل شىء لا ادرى لماذا, ربما لأننى لم استطع ان أكون ابن مدينة صاخبة حقاً وأنا أنادى على تاكسى ما عذراً سيدتى فأنا لم أتربى على ثقافة المدن الصاخبة, ولدت بضاحية صحراوية هادئة، وكما تعودت كنت أناديه بود وهدوء, الغريب انه لم يقف أحداً , فابتسمتى قائلة هكذا لن يقف أحد على الأطلاق, وفوراً استخدمتى السلاح الأنثوى الذى يبدو أنه أكثر جذباً فى مدننا, ونجحت الخطة, وبعدما وصلنا أشرتِ بود أننا سوف ندخل ذلك المكان وأن الكافيه بالدور الثانى , لم أعرف لما شعرت وقتها بالإهانة وكأنك تعاملين قادماً من غابة, وددت ان أصرخ فى وجهك حقاً, لكننى لم أكن أسمح لشىء أن يفسد متعه ذلك اليوم, ربما لأننى كنت متوتراً اكثر مما ينبغى جعلنى ذلك متحاملاً ومتحفزاً للهجوم أسرع, ولكن آه يا روز كم كان حديثك ممتعاً, التفاتتُكِ, حتى ابتسامتك الخفيفة التى لم ترقى الى درجة الضحك ربما خجلاً وربما أنثوية اكثر, عندها فقط لاحظت أن لون عينيك بنى, كان اكتشافاً رائعاً, عندها كانت رغبتى شرهة فى تدخين سيجارة, كأن التبغ ببُـنيتـِه والقهوة  بل وحتى عينيك تأمروا ضدى, أصبحت أسير كل ما هو بنى, اعتذرت لأننى شعرت ان الدخان يضايقك لكننى كنت مستمتعاً اكثر بالتدخين فى حضرتك, وددت لو ألمس يدك, كم كنتِ قاسية وكأنك تدركين أننى لا يجب أن أتشبث بك كحلم مقدس اكثر مما ينبغى, غبتُ عن كل شىء ولم اكن أدرى من الكلام سوى ظل الحروف على الشفاه, سافرت مع عينيك فى كونى الآخر, ظللت طوال الوقت ممتلئاً بكِ, إلى أن تنبهت أن الوقت قد حان, دينونتى أتت, اختطفتُ يدُكِ التى لم استطع الحصول عليها بالداخل, وضحكنا كثيراً, أوصلتك وطبعتُ على خد الهواء قبله حملها المطر, وجاءنى خطاب شفتيك سريعاً وحالما كعينيك, كم أردت وقتها أن أرقص, أن أغنى, ان أتناول ريشة وأرسمك, يُقال أننا ننسى من نحبهم سريعاً كلما كان جرحنا منهم اعمق , لكننى لم أنسكِ ولم أنسى تفاصيلك لحظة واحدة يا روز , ربما لأن جرحك كان أعمق من أن ينُسى او ربما لأننى أحببتك حتى لم أعد أشعر منك بأى جرح على الإطلاق .

لم انتِ بكل ذلك المستحيل يا روز ؟ عصية على النسيان وغريبة أحاسيسى بك عن كل الكون, ثلاث سنوات ولم أستطع حتى أن أتخطى فكرة أننا كنا أشخاصا نلتقى على حافة الحب, لكننى أحببتك, ومازلت أحبك ؟ ربما !, وربما حين الغياب نشعر فقط أننا كملوك مخلوعين عن عروشهم وحينها يحنّون لشعوبهم التى كانوا يعاملونها بسادية الواثق, نحّن لأحبابنا، لكننى منذ عرفتك لم اتوقف عن حنينى, كنت أحن اليكِ بين اغفاءة العين وصمت الشفاه, كنت أحن اليك بين النفس والآخر, بين الرعشة والآخرى, كنت أحن اليك لا لأنى أحبك فقط, ولكن لأن الحنين بحد ذاته شعور نبيل, دائماً ما أحب ترك مساحة صغيرة على مكتبى لكى أكتب وأرسم عليها, ربما لأننى أحب المحاصرة والضغط ؟ لم يستطع أحد أن يفهم ذلك سواكِ, كنت تضغطين على وأصرخ من الملل والألم, ودائماً ما كانت تجىء اجابتك مغلفة بإبتسامة : لو لم أضغط عليك لن تفعل شىء يا صغيرى.

لازلت أحتفظ برقم هاتفك , كم تمنيت أن أسمع صوتك مرة بعد, أعشق احساس الضحية هذا, لكننى لا أُدرك ان كنت حقاً ضحية أم مجرد مازوخى آخر. ربما أملىء محيطى بتلك الكتب واللوحات لشعورى بالبرد, أو تعلمين, لم يكن لى أصدقاء, كان هناك عابرون وأشخاص أحببتهم بحق, وكذلك أشخاص كرهتهم بصدق مفرط, كم أكرهكِ انتِ أيضاً وأكره حبى لك, لكننا لا نكره من أعماقنا حقاً إلا إذا احببنا من اعماقنا ايضا, نعم يا روز أكرهك بصدق مثلما أحببتك بصدق , ربما ثلاث سنوات ليست بما يكفى ليؤلمك وجع التذكر وتأكلك اللحظات التى تمر مغموسه فى دموع وتعب, اليوم الذى ينتهى مخُرجاً لكِ لسانه, فرحاً بأنه استطاع الإحتيال عليكِ, احتال الزمن ثلاث سنوات .

ألف وخمسمائة وخمسة وتسعون يوماً , يالله , ألسنةٌ كثيرة أليس كذلك ؟

المستحيل حقاً هو أن تكونى بذلك اليقين وأكون أنا بذلك الشك, ربما ولدنا على حافة الشك وكان اليقين هو الإحتمال الغير وارد, مالذى يفصلنى عن العودة إلى ما كناه معاً ؟ مالذى يجعل المسافات تبدو غائمة هكذا, والزمن يبدو أكثر شحوباً كلما اقتربت من صورة وجهك, لماذا تبدين حتى فى اغترابك عنى مستحيلة ! , أنت تعلمين أنى أهرب من الشعر ومن لوحاتى لكى أهرب منك حتى لا أقع تحت تلك السطوة المميتة التى يفرضها حضورك فى شهوة عارمة من السعادة, أواصل عبورى الى حيث انتِ, أقتفى فى طريقى اليكِ البنايات التى شاهدتنا معاً, الزحام الذى زاد من حيرتى وارتباكى, عيناكِ التى تواطئت مع شفاه تهمس بكلمات حب, يدكِ التى احرقتنى فى ومضة واحدة, أولم يكن فى كل ذلك ما يجبرك على العودة قائلة كيفك انت ؟ أو ربما لدى النساء القدرة الأقوى على النسيان, آه , كم أعشق الذكريات, ربما أكثر من عشقى لك, ألم أقل لك هناك بعض النساء من الأفضل ألا يأتين ويبقَينَ حباً مستحيلاً, يرفض التأطُر والكتابة أو حتى الرسم بألوان حيادية, ربما كنتِ أنتِ وربما كان حبك. حدث ان قالت لى امرأة ذات يوم الحياة هى ما تطلبه لا ما تستحقه, ربما كنت أنت ما لا أستحق, وربما كنت ما استحق لذا لم أجدك, كم كانت حكيمة تلك الإسبانية .

هذه المدينة قاسية كأهلها وجبالها الكالحه التى تلثم أقدام بحر ميت .

كم كلمة حب كتبناها بنفس الحروف والوقع الذى عبئنا به كلمات الوداع, وكأن اللغة ليست سوى ثوب من المخمل الشفاف نُلبسه ما شئنا من مشاعر ويتلون فى كل مرة حسبما يقتضى الحال, فكيِفكْ انت ؟ تتحول إلى ” كُنتُ فيك ” وتسقط بعدها كلمات الود العادية والمجاملات السخيفة حول الأحوال والأهل, فالحدث كان, والمكان أنا. ومن ثم نعاود لعبة الكلمات مرة ثانية مستغلين سذاجة الحياة وطيبة الوقت الذى لا يكون سخيا أبداً إلا حينما لا يكون لأى شىء معنى, وعندها فقط يصبح الصمت الذريعه الوحيدة للتعبير عن الحب والشوق والخوف بل والخجل من أننى لم اكن أنا حين احببتك لكننى كنت أنا حين فقدتك, فالسعادة لا نشعر به نحن وكأننا ذوات أخرى غيرنا تتناوب علينا, لكن الحزن هو الذى يختبرنا حقا لنرى أننا هنا بالفعل وبأننا نحن من نحزن بالفعل أيضاً .

” اشتقت اليكِ ” تخرج منى حارة ومليئة بعتاب صامت , مغلفة بشعور قوى بالندم واللاعوده ثم أُردف إليك قائلاً بأنه لا داعى لأن تردى عليها, فهو احساس لا أريد أن أضعُكِ فيه, لكننى فقط أردت قولها, تعاودين الإبتسام بحروف حيادية قائلة مازلت كما أنت .أحقا مازلت كما أنا ؟كلما تنتهى مساحة البياض فى صفحة ما , تُنذر بقدوم ألم جديد , فهاهى صفحة أخرى أتعرى فيها من ذكرياتى وأضع لافته صغيرة على لحظاتى معك مخطوط عليها بخط منمق

” كنا هنا ” .

 

 

رواية تحت الطبع

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى