التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتبت: شيرين طلعت

 

كثير من أدوات الاستفهام تخترق رأسي حينما تذكر أمامي فكرة الكتابة بحد ذاتها، ماذا بعد، كيف، أين، لمن .. ولأن السؤال دائمًا هو الحياة وقد تميته الإجابة غير المقنعة أو الكاذبة.. فقررت أن أتحرى الصدق في الكلام.

ولد شغفي للكتابة من حبي للقراءة الذي غرس في منذ الصغر، والدي كان لديه مكتبة كبيرة عالم كبير لحياة ممتدة، وكان دومًا ما يأتينا بقصص للأطفال منوعة، سواء من مصر أو من الخارج، الكتب المجسمة المصورة التي تحكي وتتحرك تنسج قصة أخرى أنت في ذهنك بمجرد رؤيتها واللعب بها، كتب المكتبة الخضراء، وغيرها.. كل هذا وضعني في عالم آخر اكتشفته فيما بعد حينما وجدتني أحاول الكتابة وأنا في المرحلة الابتدائية أكتب قصصا صغيرة، أقوم بعرضها على عائلتي، محاولات متواضعة في سني.. واستمر موضوع الكتابة معي للمرحلة الثانوية، كنت أكتب في كل شيء، أراء حول ما يحدث حولي، أو ما أتمناه يحدث.

لأتورط أكثر فأكثر في موضوع الكتابة وتذهب بي نحو المدوِّنات، التي كان صيتها ذائعاً.

أخذتني الكتابة إليها ووضعتني في طريق بلا عودة، فعندما لا أكتب تظل حروف مبعثرة حولي تنشد الخلاص والتحرر.

الكتابة نعمة ولعنة فما يفعلها يُصبح أسيرها، ينتابه الضجر في يوم لم يستطع أن يذهب لها منفردًا ليخط فكرة أو حرفًا دون تلصص عليه، من يفعلها يُدمن عليها مثل المُدخن الشره، الذي لا تتضح رؤيته إلا بالدخان حوله، يُبدد توتر مزاجه بها.

تلك النشوة التي تأتي حينما تتراص الكلمات تلو الأخرى، تتخلص من الضغط اليومي بها، تلتقي بنفسك وبالآخر فيها، وليس شرطًا أن تلتقي بكل من تحب فيها، ولكن قضيتك هي أن تُكمل معهم بالحروف حياة أخرى.

حينما تكتب لا تكون أنت رغم حرصك على أن تكون أنت.. هل فهمت؟

تكتب مندهشًا منقلبًا على ما فيك، تكون غيرك، تتحرر من شخصك وتكون آخر قد لا يشبهك وبرغم ذلك تكون أنت الكاتب الذي يُحاول ألا يشبه أحد ويكون نفسه ليترك أثراً.

ربما لأني أنانية أكتب.. لا أود أن أموت بدون فعل شيئاً يستحق الحديث عنه فيما بعد، فأكتب لأبقى..أكتب رغبة في التغيير وكل مرة أتمنى أن ما أكتبه يتحقق، الغد الأفضل هو ما أبحث عنه، المستقَبل هو ما يثير حواسي والمستقبِل لما أكتبه هو ما يثير رهبتي.

ربما ما أكتبه هو أكثر مما يُنشر أو أفكر في نشره حتى، قد لا يسعني الوقت كي أنشر كل ما كتبت.. لذا قد تتخلى عني أنانيتي وتنتصر الكتابة في النهاية وتدحض فكرتي عنها.

الكتابة إذًا شيء قوي لا نستطيع أن نجد تعريفًا محددًا حيال (لماذا نفعل هذا الفعل)

هي أكبر من تلك الفوضى العارمة داخلنا التي نحاول أن نلخصها في بضع سطور،

تسوقنا ناحيتها بشغف وتتركنا نتخبط كي نلتقي بها بأريحية مثل العشيق السري لمراهقة لا تعرف هو يحبها أم لا؟ لكنها مستمتعة بهذا الحب؛ الذي يعطيها شغف للحياة وتشعر بقيمتها من خلاله وإن كان لا يدري.

خطوة نشر كتاب منفرد جائتني بعد عدة أعمال جماعية، كانت خطوة فارقة في حياتي ودخولي عالم الأدب بشكل رسمي أن أتحمل مسؤولية اسمي على كتاب يقرأه الآخر، فالكتابة قد تجلب لكاتبها اللعنة أو الدعوة وهذا ما أحاول الحرص عليه فيما أكتبه.

كما يقول نزار” الكتابة عمل انقلابي”

إن لم تستطع التحرش بالورقة اطلقها..بل والأحرى غير قلمك أو لونه أو لونك كي تخرج منجزا يستحق الحديث عنه والكتابة أيضًا.

لماذا ولماذا نكتب فقد ترتبط  الكتابة بالكآبة لتشابه حروفهما، ﻓﺤﻴﻨﻤﺎ ﻻ ﻧﻜﺘﺐ نكتئب ، ونكتئب ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻧﻜﺘﺐ ﻧﺼﺎً ﻟﻢ ﻳﺪﻫﺸﻨﺎ، ﻭﻧﻜﺘﺌﺐ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻧﺒﺘﻌﺪ ﻋﻨﻬﺎ، ﻭﻧﻜﺘﺌﺐ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻧﻜﺒﺖ ﻗﻠﻤﺎ ﻭﻻ ﻧﺤﺮﺭﻩ.

الكتابة إذاً هي اللذة المؤلمة في الحياة.

 

اكتب لتعيش لتتألم لتسعد … ولتبقى

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى