التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

الباحث عن الحقيقة

كتب: منتصر أمين

منتصر أمين
منتصر أمين

 

 

 

 

آثرت أن تكون مشاركتي الثانية في كتابة المقال من خلال عرض لقراءة أحد الأعمال التي أراها غاية في الأهمية، ساهمت بشكل كبير في تشكيل وجداني وفكري وإتجاهي..

فمعظم كتابات الأديب الراحل الكبير/ محمد عبدالحليم عبدالله تتسم بالنسبة لي بقدر كبير من الشاعرية والرومانسية حتى أنه لُقب بشاعر الرواية العربية.. لكن هذا العمل تحديداً أراه يحمل بعداً فلسفياً كبيراً حفر في نفسي أثراً بالغاً، خاصة أنني كنت قد إستعرته من مكتبة أبي وقرأته في فترة مبكرة من حياتي..

عنوان الرواية في حد ذاته مثل بالنسبة لي تحدياً كبيراً.. فمن هو المقصود بالباحث عن الحقيقة؟.. وما هي الحقيقة من الأساس؟..

شرعت في قرائتها ولم أتوقف حتى إنتهيت منها في ليلة واحدة.. ومنذ ذلك الحين وأنا أعاود قرائتها كل فترة وأخرى عندما تعجز بوصلتي الشخصية وتحيد عن جادة الطريق..

من الممكن النظر لهذا العمل على إعتبار أنه عمل ديني أو تاريخي.. لكني أفضل أن أنظر إليه من منطلق أنه عمل فلسفي إنساني.. فهذه الرواية أعتبرها رواية مُلهمة بحق، عمل يصلح لكل العصور والأزمنة.. ففيها نجد الصراع الأزلي بين الإنسان وذاته سعياً وراء المعرفة وطلباً للحقيقة..

لن أتحدث عن اللغة المستخدمة وبلاغتها أو عن فنيات السرد فاسم الكاتب الكبير غني عن التعريف وقلمه الخالد خير متحدثٌ عنه.. فقط (حتى لا أفوت الفرصة على من يرغب في الإستمتاع بها) سأكتفي ببيان مغزى الرواية وتوضيح عمق دلالاتها ثم أعرض مقتطفات موجزة منها تبين عذوبة اللغة وجمال التشبيهات..

الرواية عبارة عن رحلة ينبغي على كل عاقل أن يخوضها.. رحلة إكتشاف الذات.. وهي رحلة بالطبع ليست بالهينة على الإطلاق، بل هي طريق وعر محفوف بالمكاره والصعاب التي قد لا يتحملها الكثير من البشر..

الباحث عن الحقيقة
الباحث عن الحقيقة

في روايتنا المقصودة تدور هذه الرحلة حول أحد الشباب الأثرياء من فارس له من المال والجاه ما يحسده عليه غالب أقرانه.. بل والأكثر من ذلك أنه قد تعلم تعليماً دينياً راقياً حتى بات أحد المشتغلين البارزين في هذا المجال.. لكن نفسه الفتيه الثائرة وفطرته السوية تأبيا الخضوع والتقييد، عندما يشاهد تعذيب أحد الرعاة بسوط والده ينقلب حاله رأساً على عقب ويقرر هجر أباه وأمه وأخوته، يقرر هجر بلدته بأكملها.. لتبدأ رحلته الطويلة المضنية في البحث عن الحقيقة.. رحلته التي نقرأها بعين الجسد ونراها بعين البصيرة.. نرى من خلالها مالاقاه هذا الشاب من صنوف العذاب منذ أن تم إستعباده حتى عاد حراً من جديد.. رحلة قطعها بطل الرواية بجسد يملؤه الألم وقلب ينبض بالمعرفة.. رحلة طويلة قاسية حتى وجد ضالته المنشودة، ذاق بها حلاوة لذة الوصول وشفى بها كل آلام جهد البحث..

أبدع الأديب الكبير/ محمد عبدالحليم عبدالله في العديد من المواقف منها على سبيل المثال مناجاة الشاب مع ربه، وجميع مواقف الشاب مع العابد الناسك..

# مقاطع تركت أثراً لا يُمحى في نفسي:

“رائحة بخور نادرة تملأ أنفه، وهمهمات من أدعية مهموسة تملأ أذنيه، لكن قلبه الليلة يملؤه الشك… بين الحاجبين تقطيبة تشكو في صمت، شكوى النفس للنفس، حركة الشك التي تبحث عن اليقين في تحسس ودبيب، وبين كل فكرة وفكرة تتنهد”..

“نزل عليه الليل أشد ظلمة وكأنما الفجر على بقية الأشياء، أحس الشاب أن قلبه ينبوع لكل هذا. فمنه صدرت إشارة حار في معناها، غيرت نظرته للكون”..

“علموه وتركوه يعلم الناس مثلما علموه”..

“هاهو ذا فجأة ينظر إلى الحجر والنجم ويلحظ بينهما تفاهماً وتناسقاً، يشعر أن سر التفاهم نبع من قلبه… عند ذلك تأوه الشاب آهة تحمل غاية أسرار لذة (الوصول) وكل آلام جهد (البحث)”..

“كانت رائحة الراعي (الروث والسماد) تملأ أنف الشاب بعد ما آوى إلى حجرته. كان بينها وبين رائحة بخور المعبد (الزكية) تطاحن ظاهر، تعادلت الرائحتان بعد فترة ثم تفوقت رائحة الإنسان”..

“لماذا لم يرحلوا كما رحلت؟؟ فمزرعة صغيرة بها حرٌ واحدٌ أخصب من مزرعة كبيرة سكانها عبيد”..

“في كل عام يدفن الرجل منا ذاته في ذاته.. يدفن الأضعف لينبثق منه الأقوى أو يدفن الأقوى لينبثق من الأضعف.. وليس هناك ما يربط الأول بالثاني سوى التذكر.. نعم.. صدقت يا شيخ عمورية”..

#شكراً_محمد_عبدالحليم_عبدالله

#دمتم_مبدعين

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى