وشوشة

 الكرنتينا  سيد الأحياء العشوائية

كتب: طه عبد المنعم

طه عبد المنعم
طه عبد المنعم

قد لا يبدو إعترافًا عندما أقول إن من أجمل الروايات المصرية التى قرأتها فى الثلاث سنوات الأخيرة هى رواية “نساء الكرنتينا” (ميريت 2013)، للروائى “لنائل الطوخى”، ورغم ذلك لم تحصل على جائزة، وهو ما يؤكد أن الجوائز ليست معيارًا أو حتى إرشادًا للأعمال الجيدة. الطوخي تخرج من كلية الآداب, قسم اللغة العبرية عام 2000، وصدر له : قصص  تغيرات فنية- 2004 , رواية  ليلى أنطون- 2006 , رواية  بابل مفتـاح العالم ، رواية  الألفين وستة- 2009

حي الكرنتينا هو سيد الأحياء العشوائية بلا منازع، فى الرواية تقع الكرنتينا فى الأسكندرية، المدينة الثانية فى مصر، ولكنها فى الجغرافيا تقع فى عدة أماكن أحدها في الجهة الجنوبية للبحر الأحمر، جدة، غرب السعودية. وتقع أيضًا في شمال شرق بيروت في لبنان لمحدودي الدخل، الحي يأخذ اسمه من الكلمة الفرنسية  La Quarantaine، لأنها كانت موقع الحجر الصحي. تدمرت الكرنتينا البيروتية في حريق عام 1933، الذي كان يسكنه آنذاك لاجئون أرمن انتقلوا إلى أجزاء أخرى من بيروت، وفي 1951  استقر فيه 1,300 من اللاجئين الفلسطينيين، وبحلول منتصف السبعينات أصبحت المنطقة مدينة صفيح يسكنها حوالي 30,000 شخص، تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الحرب الأهلية اللبنانية وقعت فيه مذبحة الكرنتينا في 18 يناير 1976  .

الرواية تحكى تاريخ نشأة الكرنتينا المصرية عبر ثلاث أجيال بشخصياتها الرئيسية والثانوية (علي، إنجي، أبو أميرة، الحاجة اعتماد، مدام نادية، حمادة، صباح، سعيد، منّة الله، عادل، يارا، لارا، أميرة، محمد، يحيى بركان). رغم ذلك نائل نجح فى صنع رواية هى نقيض الرواية، فى بنيتها ومفهومها، فالشر ينتصر ويصبح محركًا لأحداث وحيوات جديدة والزمن لا يسير إلى المستقبل، بل يسير فى المستقبل نفسة، العامية تتسيد لغة شخوص الرواية (ليس فقط بألفاظ ومفردات ولكن كمفهوم وتعبير عن أسلوب حياة)، الأبطال نساء والعالم لا يتطور إلى الأحسن والأفضل، بل يستثمر القبح فيه ويحتفظ بعشوائيته وفوضاه، بل والأغرب عندما تتحتم الظروف لإنهاء عشوائية ما، يتولد عشوائية أخرى وليس نظامًا إلى نهاية التاريخ. حرب النفق التى تحولت إلى مذبحة فى نهاية الرواية. مؤامرات وخيانات هى التى تحكم تاريخ الكرنتينا.

الرواية لا تسرد لنا فقط تاريخ الأجيال الثلاثة، لكن تصف لنا كيف تكونت الكرنتينا وجغرافيتها (حتى النصب التذكارى بها) وشكل التجارة بها والمعاملات والعلاقات التجارية، وبالتالى تلك المنطقة التى تكونت عشوائيًا فى مدينة تعتبر العاصمة الثانية، تلفظ وتنفر من محاولات الحكومة والمدنية لإدخال خط مترو أنفاق لذا كانت مسرح أحداث حرب أهلية قضت على الكل، كما قضت الحرب الأهلية على كرنتينا بيروت. المدينة التى صنعها نائل فى الرواية رغم فترات تطورها وازدهارها لكن حكم عليها بالتدمير والزوال ليس لأنها مبنية على العشوائية لكن لأنها تطورت وكبرت عشوائيًا، فلم تتدخل الحكومة والمدنية إلا فى النهاية حينما شرعت فى تنفيذ خط مترو أنفاق كان السبب غير المباشر فى زوال وتدمير الكرنتينا.

رواية لا تحمل لنا كل القيم الجمالية والأخلاقية التى اعتدنا عليها فى الروايات. يقول إمبرتو إيكو، الروائى والسيميائى الشهير “ما لا تستطيع تنظيرة ينبغى سرده”، هل أستطاع نائل أن ينقل لنا أفكارة ورؤاه عن اللغة العامية مثلا فى سردة الروائى؟ (سبق قدم نائل رواية بابل مفتاح العالم للتطرق لموضوع اللغات واللهجات) هل السخرية المبطنة فى الأحداث وحوارات شخوص الرواية تهدم منطقها المتعارف عليه وتضع مستويات أخرى لقراءة النص؟ (قدم نائل رواية الألفين وسته تمتلئ بسخرية فريدة متداخلة فى بنية الرواية ذاتها، وليس مجرد إضافات وبهارات سردية) ماذا يعجبنا فى رواية فيها ما سبق وأكثر؟  أظن لأنها تكشف لنا أن العالم ليس جميلًا كما كنا نظن. وأن قبحه أحد جمالياته.

نائل الطوخي
نائل الطوخي

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى