التخطي إلى شريط الأدوات
وشوشة

عادل الميري يكتب: مقتل الرجل الكبير

كتب: عادل أسعد الميري

 

عادل الميري
عادل الميري

اسم الرواية هو (مقتل الرجل الكبير)، وعندما نبدأ فى القراءة نفهم أن المقصود بالرجل الكبير هو رئيس الجمهورية. يدخل سكرتير الرئيس الى حجرة نوم الرئيس بعد أن يكون قد فات ميعاد استيقاظه اليومى، ليجده مقتولاً فى فراشه، وليجد ان بركة دم تغطى الفراش، وتغطى كذلك السجادة إلى جوار الفراش، وأن خنجراً بنصل لامع مغروس فى بطنه. كان الرئيس فى الثالثة والثمانين من عمره، ونفهم أننا فى حدود سنة 2011، وكان الشعب قد اعتقد ان هذا الرئيس لن يموت أبداً ، إذ انه كان يحكم البلاد منذ حوالى ثلاثين عاماً .

كان الرئيس قد فضل خلال السنوات الأخيرة أن يترك قصره الرئاسى داخل العاصمة، ويذهب للإقامة فى قصر تحيط به الصحراء من كل جانب، وبذلك تسهل حراسته، وكان سور هذا القصر يمتد بطول ستة كيلو مترات حول القصر. كانت قوالب الطوب المستعملة فى بناء السور مرسوماً عليها صورة لرئيس الجمهورية بوجهه المبتسم أثناء شبابه، وكانت صاحبة الفكرة ومنفذتها هى شركة المقاولات الإيطاليه التى تولت مهمة تصميم وبناء هذا القصر.

يقدم لنا الفصل التالى من هذه الرواية الخيالية، صورة كاريكاتيرية ساخرة للرئيس الذى كان مغرماً بمشاهدة الأفلام، وأثناء مشاهدته أحد تلك الأفلام الحديثة فى قصره، فى قاعة العرض الخاصة به ومع أصدقائه، وجد أن نهاية الفيلم لم تعجبه، فاستدعى مجموعة عمل الفيلم المكونه من المؤلف والمخرج والمنتج، وطلب منهم تغيير النهاية، وشرح لهم بالتفصيل كيف ينبغى أن تكون النهايات، وأمر بسحب النسخ المعروضة فى الأسواق.

هل كان اغتيال الرئيس هو مخطط لقلب نظام الحكم؟ هل جاءت الدبابات التابعة للقوات المسلحة لتحيط بالقصر لتدافع عن النظام أم لتسقط النظام؟ هذه كانت تساؤلات مجموعة الرئاسة التى كانت ما تزال موجودة فى القصر لا تعرف كيف تتصرف. كان سكرتير الرئيس قد أسرع باستدعاء مسئول الأمن القومى من منزله ، واتصل كذلك تليفونياً بكل الوزراء يستدعيهم بعبارة واحدة هى (الرئيس يريدكم حالاً).

اعتقد وزير الإعلام أن سبب الاستدعاء العاجل فيما يتعلق به هو شخصياً، هو برنامج تليفزيونى صباحى كان الرئيس معتاداً على متابعته فى بداية برنامجه كل يوم، وذلك ليطلع على ما يشغل شعبه. نعرف عرضاً أنه من شدة اهتمام الرئيس بشئون المذيعات، فقد أنشأ لهن إدارة خاصة فى وزارة الداخلية تعرف بإسم إدارة أمن المذيعات.

كان وزير الإعلام قد فوجئ ذات مرة بالرئيس فى مبنى التليفزيون، وقد قرر أن يمتحن بنفسه المذيعات الجدد وذلك حين علم أن امتحاناً سوف يعقد لهن فى ذلك اليوم، لاختيار مجموعة جديدة منهن. وكان من المعروف أن المذيعات المترددات على القصر الرئاسى لإجراء أحاديث مع الرئيس ، يتم استقبالهن وحدهن بعد إجراء الأحاديث، وبعد انصراف المصورين والمخرجين، فى حجرات خاصة لا توجد بها كاميرات الأمن التى تصور كل شئ فى القصر. هؤلاء المذيعات كن السبب المباشر فى انتشار شائعة عن اعتلال صحة الرئيس الجنسية ، إذ قلن أنه كان يكتفى بأخذهن فى أحضانه.

وعندما نجحت إحدى المذيعات بصفة استثنائية ، فى تحريك كوامن الرئيس التى لم تتحرك منذ سنوات ، اتصل الرئيس بوزير اعلامه مبدياً رغبته فى الزواج من المذيعة، مما اضطر مدير أمن المذيعات إلى تغيير الملف الخاص بها ، ليمحو منه العبارات والتفاصيل الخاصة بعلاقة كانت قد قامت بينها وبين أحد أكبر رجال الأعمال والذى تقدر ثروته بالمليارات.

كان الرئيس معتاداً على إلقاء خطبه أمام البرلمان ، وكان يستمر أحياناً فى الكلام لمدة ساعات طويلة ، يحكى فيها تاريخ ولايته منذ ثلاثين عاماً ، ولكن بسبب تقدمه فى السن كانت قد بدأت تختلط عليه الأعوام والأسماء والأحداث ، لدرجة أن الخطبة عندما كانت تنشر فى اليوم التالى فى الصحف كان وزير الإعلام يعيد كتابتها قبل نشرها، فضلاً عن عملية مونتاج سريعة لحذف المضاف من القصص الوهمية والأسماء المغلوطة والأرقام الهلامية.

وقد قال الرئيس فى إحدى خطبه تلك (إللى مش عاجبه البلد يا جماعه يولع بجاز)، فجاء شاب فى اليوم التالى أمام مبنى البرلمان ، وأخرج من حقيبة يحملها عبوة جاز كبيرة دلقها على نفسه بسرعة وأشعل عود ثقاب وحرق نفسه. وقد تكرر مثل هذا الحادث فى الأيام التالية ، أمام أماكن متعددة ، منها مثلاً مبنى التليفزيون ، ثم استاد كرة القدم اثناء خروج جمهور مباراة كبيرة، ثم دار عرض سينمائية بمناسبة افتتاح مهرجان سينما. وقد حاول وزير الداخلية أن يطوق القضية ، بالاتفاق مع وزير الاعلام على إذاعة الأحاديث الدينية لشيوخ الأزهر عن حرمانية الانتحار.

يحكى لنا المؤلف فى فصل آخر عن موقف طريف آخر ، حدث أثناء زيارة احدى المناطق السياحية فى شمال البلاد، حين دار حوار بين الرئيس وبين وزير السياحة، فى حضور عدد من الوزراء ، انتهى بأن مدّ الرئيس قدمه وضرب وزيره بالشلوت فى مؤخرته. نشرت الصحف الأجنبية هذه الصورة بصدر صفحاتها الأولى صباح اليوم التالى، وذلك رغم انشغالها السابق ولأيام متتالية بالغزو الأمريكى لعاصمة فى أمريكا اللاتينية. اضطر جهاز الأمن الوطنى الى التحرك بسرعة للتعاقد مع شركة أمريكية متخصصة فى تقنيات الخدع السينمائية والجرافيك، وقد تولت هذه الشركة حملة دعائية للتأكيد على أن الصورة مزيفة.

إلا أن الشعب كان قد استقبل هذا الشلوت بفرحة وتشفّي وشماتة فى الوزراء، وقد كشفت التقارير أن سكان البلاد قد تحمسوا لفكرة ضرب المسئولين بالشلوت، وأنهم قد أرسلوا برقيات مبايعة وتأييد لرئيس الجمهورية على خطوته الحكيمة. إلا أن ستمائة موظف ومدير عام قد قدموا شكاوى فى أقسام البوليس ضد رؤسائهم، الذين اعتدوا عليهم فى العمل وضربوهم بالشلوت أسوة بالسيد الرئيس. ولما بلغت الرئيس هذه الأخبار، كاد يتراجع عن تأكيد ان الصورة مزيفة، ولكنه ضحك لأسابيع متتالية سعيداً بوفاء شعبه له ومبايعته لشلوته.

 

غلاف الكتاب

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة