التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

 

كتب: أحمد الملواني

 

عندما يوجه إليك سؤال عميق، مراوغ، متحذلق، مثل سؤال “لماذا تكتب؟”، فكونك أديبًا ومثقفًا يعني أنها فرصة ذهبية لاستعراض عضلات الحكمة! عليك فقط أن تطلق تنهيدة تليق بمفكر، وترسم على وجهك نصف ابتسامة مبهمة، ثم تدلي بإجابة قصيرة؛ مجرد جملة، أو شبه جملة، لكنها تلخص كل حكمة وفلسفة الكون! إنها الإجابة التي ستجبر العالم على الخضوع لك، والتسليم بعبقريتك! إجابة ألمعية مثل “أكتب لأحيا”! أو إجابة رائعة، طموحة، “سو كيوت”، مثل “أكتب لأغير العالم”!

الأزمة التي تكبلني الآن، وتسحق ميلي الفطري نحو “العوجان”، هي إلتزامي المسبق بطرح إجابة صادقة. هكذا أجد نفسي مضطرًا للتخلي عن براح الإدعاء المفتوح أمامي على وسعه، لأنزوي في الركن الضيق للصدق! مضطر للاعتراف باستحالة العثور على إجابة موجزة، باتة، حكيمة، وتتسم في ذات الوقت بالصدق. من هنا كان قراري أن أجيب على سؤال “لماذا أكتب؟” بطريقة الاستبعاد؛ دعونا نضع مجموعة محتملة من الإجابات النموذجية، ولنتأمل مدى انطباقها على حالتي…

لنبدأ مثلا بتلك الإجابة السحرية.. (أكتب لأجعل العالم مكانًا أفضل)..

بالزمة ده كلام؟! بعد حربين عالميتين، وقنبلتين ذريتين، وآلاف المذابح الجماعية، ومئات الثورات، وعشرات الأوبئة، ولم يصبح العالم مكانًا أفضل. لم يزل الإنسان رغم كل معاناته “مش عايز ينضف”! فهل يمكن أن يغيره كتاب؟!!

لنقل مثلا أني (أكتب لأن لدي ما أقوله)..

وهي كلمة قالها لي والدي في صغري بعد أن احتار في تحديد أي مسار محتمل لمستقبلي؛ فأنا أجيد الرسم.. أحب الكتابة.. أحلم بالعمل صحافيًا.. وأحارب لدخول معهد السينما لدراسة الإخراج! تحليل والدي لهذا المزيج كما قال لي ذات ليلة “فوق السطوح”؛ إنني أبحث عن أية وسيلة لأخاطب الناس.. السينما أو الأدب أو الصحافة.. المهم أن أقول ما في جعبتي. ولكنني حتى الآن ـ ومع إحترامي لرأي والدي ـ لم أعرف بعد ما هذا الشيء الرائع في جعبتي الذي أسعى لتوصيله للناس. شخصيًا لا أعتقد أني أمتلك اليقين، أو العلم، أو الحكمة الخارقة، التي تستحق أن أكرس حياتي لنقلها للأجيال القادمة! وإذا افترضنا أن مخاطبة الناس هي هدفي، فهل يعقل أن أستخدم الأدب لمخاطبة شعب لا يقرأ منه إلا الفئة المارقة؟!!

هل مثلا (أكتب لأجل المجد)..

بعدما احتار والدي في أمري قرر أن يسألني صراحة عما أريد أن أفعله في مستقبلي. كان لدى أبي يقين بأني مبدع، ولكنه لا يعرف في أي مجال ستسقر روحي المبدعة، الرسم، أم السينما، أم الكتابة. أجبته بأن في حياتي حلم واحد، عريض جدًا، ومفتوح على احتمالات لا نهائية، وهو أن يذاع خبر موتي في نشرات الأخبار! أن أترك في الدنيا أثرًا يتجسد في اهتمام العالم بموتي. ربما يمكن أن نلخص تلك الأمنية بكلمة واحدة، هي “المجد”. وهذا سيعيدنا إلى ذات النقطة السابقة؛ أي مجنون يعتبر أن الأدب سيحقق له مجدًا وسط شعب لا تمثل له القراءة أي اهتمام يذكر. ضع كاتبًا كبيرًا مثل صنع الله إبراهيم، في مكان عام مع طفل في السابعة عشر يلعب في الأهلي اسمه رمضان صبحي، ولتستمتع بالمأساة! أي مجد يمكن أن يحققه لي الأدب، وأنا كنت أخجل أن أذكر أمام زملاء العمل أني أديب! ليقيني أني لن أجني من هذا إلا السخرية، أو الدهشة، وربما حتى أصبحت مثارًا لشفقتهم! وهو ما حدث بالفعل عندما تسربت المعلومة إلى العمل عن طريق جريدة يومية ضمت خبرًا عني، مزين بصورتي “علشان تبقى الفضيحة كاملة”! من يومها وهم يعاملونني ككائن فضائي.

ماذا عن (أكتب لجني الأموال)..

إحنا هنهزر؟! للآمانة أنا من المحظوظين الذين تربحوا من الكتابة؛ سواء عن طريق الجوائز أو حقوق النشر. لكن ما ربحته لا يقارن بما أنفقته. إذا حسبناها ماديًا فهي صفقة خاسرة..

ربما أنا ببساطة (أكتب لأني لا أجد شيئًا أفضل أفعله!)..

وهي قد تكون الإجابة الأنسب حتى الآن. ففي الحقيقة الكتابة ـ رغم ممارستي لها منذ صغري ـ لم تكن خياري الأول. كان هناك الرسم في طفولتي، مع الكثير من التوقعات الحالمة، وضغط من أمي لألتحق بكلية الفنون الجميلة، ناهيك عن تربحي منه، فقد كنت في الإعدادية أرسم سلاحف النينجا وأبيع الصورة لزملائي بريال! ولكن في النهاية كرهت الرسم وسيرته، بسبب كم السماجة وانعدام الخيال في منهج التربية الفنية في الثانوية العامة. ثم جاءت السينما، مع الكثير من الصراعات مع أبوي، الذان لم يستسيغا أن يخرج طفلهما عن المألوف، لتكون إجابته على السؤال الخالد “نفسك تطلع إيه لما تكبر يا حبيبي؟”.. هي “مخرج سينما”! مبتعدًا بأشواط عن الإجابات النموذجية.. “دكتور” أو “ظابط” أو حتى “مهندس” وهو أضعف الإيمان! في النهاية اقتنصت فرصة واحدة للتقدم لمعهد السينما، ولم يتم قبولي لحصولي على درجة منخفضة في امتحان اللغة الإنجليزية؛ وهكذا كفى الله المؤمنين شر القتال. في النهاية بات الأدب هو خياري الأخير والوحيد.

أعرف إنها إجابة محبطة، لكنها صادقة. أنا كتبت في المقام الأول لإني لم أجد شيئا أفضل أفعله. ربما بقليل من التأمل، أكتشف أن الأمر ليس كذلك الآن. التقدم في السن، ونمو الخبرات، بالتأكيد غيرا كثيرًا من دوافعي. إجابتي الأعمق قد تكون.. أنا أكتب لأفكر. بالنسبة لي الكتابة أشبه بالتفكير بصوت عال. هي نتيجة لتكاثر علامات الإستفهام في رأسي. بالنسبة لي الحيرة هي ما تصنع الإبداع، في حين يقتله اليقين.

وهكذا وجدتها.. إجابتي الموجزة، الألمعية، العبقرية!!

دعوني الآن أستمتع بثمرة حكمتي.. أطلق تنهيدة تليق بمفكر.. أرسم على وجهي نصف ابتسامة مبهمة.. وأقول: (أنا أكتب لأفكر)

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى