التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: إسلام فهمي

 

استوقفني سؤال ذات مرة “انت مين؟” لا تستوقفني سوى الأسئلة التقليدية، لم أتوقف يومًا أمام سؤال يبحث في كينونة الوجود، أو عن ما إن كنا مصيرين أم مخيرين في لعبة الحياة، أم من هو الطرف الثالث الذي أشبع الثورة من الركلات واللطمات. لم أتوقف يوماً إلا أمام تلك الاسئلة التقليدية التي لا يتوقف أحد أمامها، لما لم أجد لنفسي قدرة علي شرح نفسي، فاتجهت صوب القلم لأوضح علي الورق  من أنا..

هل تكتب عندما تَكتنفك الراحة النفسية ذاتها كلما تمسك بالقلم، وحتى إن خط ترهات بلا فائدة، بل عندما تستشعر بوجع الكلمات التي يرصها قلمك متجاورة متلاصقة، بل هو عندما تشعر بإلهام كلماتك علي من يجاورك من البشر، لا لا، بل إنها تلك النشوة التي لن تستشعرها حتى بآلاف لفافات التبغ وأنت ترسم بقلمك ملامح حياة متكاملة الاركان لبشر لم يعرفهم بشر سواك.. هلا تأملت معي لماذا حقًا نكتب؟

إذن، أهو الهروب من المواجهة، أهو الهروب من البشر، أهو البحث عن سلام نفسي مزمع، أم هو خصال الجبن وقد وجدت ضالتها من بين البشر، مطلقين علي أنفسهم ألقاب عدة، فهم كتاب روائيون صحفيون شعراء. أم لعله يا  ترى وصفاً لم تتسع الكلمات له بعد، لم يعد هناك من بين مرادفات اللغة ما يصف حقاً لماذا نكتب؟ أهو هرباً من الواقع أم شحذاً لواقع أرتأته أنفسنا بأحقية نصيب منه، أم هو ماذا حقاً؟

ربما البحث عن تلك المحبوبة التي فقدها الزمان وفقدتها معه؟ ربما البحث عن الذات التائهة الضائعة بين أركان الأحلام وقد فقدت صلتها بالواقع في لا تناغم مريب. أحقاً هو الحب؟ أحقاً هو الحب ما يدفعنا للكتابة، أتأمل ما خط قلمي قبل وفوعي في الحب، لا أجد مبرراً سوى التجريب والتقليد والعشوائية المفرطة، فلم يكن مازن سمير سوى نسخة مصغرة من أدهم صبري وقد تمثل أمامي محاولاً إعادة كرامة الوطن المسلوبة كما تعودنا من كتابات د. نبيل فاروق التي وجدنا أنفسنا نستلهم من وقت مراهقتنا كلمات لتتراص بجوار بعضها محدثة دوى كبير كأفلام الحركة الأمريكية التي أستهوتنا أيضاً لنرى أن أدهم صبري متواجد حقاً، هذا البطل الاعجازى الذي لا يموت والذي إن أنكر أحد كتاب هذا الجيل انه لم يمر ولو بطرف عينه علي رجل المستحيل فقد كذب كذبة أبريل.

ربما لوقت طويل أخذ مازن سمير حقه وكفى، لكن دائماً ما يحدث الانقلاب علي الواقع طالما كان طور التشكيل، فأتذكر تلك المرة الأولى التي أخرج فيها من تلك العباءة لأنضم لحسام وداليا فوق بساط الحب، نعم، هو الحب إذن، هذا الشعور الخارق للطبيعة والذي يحرك كل شئ بداخلنا نحو كل أهدافنا، هو الحب إذن، ما يمنح أقلامنا حبراً بحجم مياة الكون، هو هذا الشئ الذي يمنحك القدرة علي تشكيل الحديث والرسم بالكلمات حتى وإن لم تكن لا شاعراً ولا كاتباً ولا شئ، هل تذكر تلك القصيدة التي كتبتها في حب حسنائك وملاكك، لتتذكرها جيداً، من منا لم يكتب ترهات متوهماً أنها من الأدب فقط لأنه شعر بحديثها يطرب نفسه ويقوده نحو عنفوان الحب ورحيق أزهاره.

أعود لمرحلة مازن سمير وأدهم صبري لأستلهم هذا الحب أيضاً فكانت غادة لتلازم مازن في كل مكان، وكانت منى توفيق لتصنع هذه الهالة من الحب والتي لم يغفلها أحدنا، فكنا نتحدث فيما بيننا عن الحب الكامن بين السطور بين هذا الثنائي ولم نكن ندري عن الحب أي شئ سوى الاهتمام والكلمة، وما ان تتسع الصورة حتى أدرك أن كل هذا حركة الحب أيضاً، فإن لم يكن يحب أدهم مصرنا لما كان منه ما كان وما كان منا أيضاً الاهتمام .. انه الحب يا سادة.

عندما أمسك القلم وأستشعر بضآلة نفسي أمام الكلمات، عندما لا أجد من الحروف ما يتشابك ليصنع الإعجاز، مالهذا علاقة بوحي سماء أو مخزون كلمات أو أشياء من هذه الترهات، عندما أمسك القلم وتفقد عضلات ابهامي وسبابتي القدرة علي منح القلم دفعة للأمام ليرص الحبر بجوار الحبر مانحاً الأوراق معنى، فهذا هو الوقت الذي أتوقف فيه عن الكتابة، فقط لأن قلبي فقد نبضه.. لأن حينها سأكون قد توقفت عن الحب، قد توقفت عن الحياة..

لا حديث يعلو فوق صوت الحب وأصداء صوت دقات القلوب إذن، إنه الحب يا سادة ..

ولهذا فقط نكتب ..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة