التخطي إلى شريط الأدوات
سينما

مائة عام من السينما ـ نظرة معاصرة (1) ـ

 

كتب: أمير مصطفى

 

أمير مصطفى
أمير مصطفى

اليوم وبعد مرور عقدين كاملين على تصنيفِ السنيمائيون المصريون لمشوارِ السينما المصرية عبر قرن من الزمان، وترتيب أهم 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية، أحاولُ إعادة مشاهدة تلك الأفلام المائة لمعرفة الأسباب الحقيقية فى هذا الترتيب، للوقوف على سر عظمة تلك الأفلام تحديدًا ومحاولة البحث عن إجابة لذلك التساؤل المخيف :

لماذا انهارت السينما المصرية رائدة تلك الصناعة العظيمة فى الشرق بل ومن أهم روادها فى العالم؟

قررت الدخول… دخول هذا العالم عبر أهم بوابة له طبقًا لذائقتى الخاصة فقط ! وبدأتُ بمشاهدة واحد من أقرب الأفلام لقلبى وهو (سواق الأتوبيس) معجزة السينما المصرية.

سواق الأتوبيس (إنتاج 1983) يحتل المركز رقم 8 ضمن قائمة المائة.

قصة و سيناريو و حوار : بشير الديك ومحمد خان ! ، مدير تصوير : سعيد الشيمي ، مونتاج : نادية شكرى.

بطولة : نور الشريف ، ميرفت أمين ، عماد حمدى

إخراج : عاطف الطيب

المفارقة :

كون نور الشريف مع عاطف الطيب توأمة فنية وإبداعية من نوع خاصٍ، كان قوامها الأساسي ليس فقط التفاهم والتناغم الفكري والثقافي ولكن الأهم هو الهم الواحد؛ فقد جمعهما سويًا نفس الهم الإنساني الذي كان أقوي دافع ومحفز إبداعي لإنتاج أعمال فنية عبقرية، يأتى على رأسها هذا الفيلم فى ثاني تجربة تجمعهما معًا بعد فيلم محدود الإمكانات جدًا اسمه (الغيرة القاتلة) إنتاج العام 1982 وهو أول أفلام عاطف الطيب على الإطلاق، وبطولة نور الشريف ويحيى الفخراني فى محاولة شديدة السذاجة تقترب من البله لإعادة إنتاج رائعة شكسبير عطيل!

ولحسن حظ الجميع، إن هذا الفيلم لم يعرضْ تجاريًا إلا بعد عرض الفيلم الثانى لعاطف الطيب وهو (سواق الأتوبيس) مما جعل الجمهور والنقاد يغضون الطرف عن هذا الفيلم الكارثيّ ويستحوذ على عقولهم ووجدانهم (سواق الأتوبيس) .

بعد عهد السبيعنيات المخزي للسينما المصرية وأفلام التعريّ فى لبنان جاء عهد أفلام المقاولات ونظرية (الجمهور عايز كده). وكانت السينما المصرية فى بداية الثمانينات فى حالة من السوءِ تقارب بل وقد تتجاوز ما هى عليه الأن!

فى وسط هذا المستنقع الكئيب، يطف للسطح فجأة فيلم مصرى يتألق فى مهرجانات دولية عديدة ، ويمثل مصر فى أكثر من محفل سينيمائى دولى ويظل يطوف العالم خلال عامٍ كاملٍ قبل عرضه التجارى حتى فاز نور الشريف بطل الفيلم بجائزة أحسن ممثل فى مهرجان نيودلهى، وبهذا يصبح أول ممثل مصرى يحصل على جائزة دولية فى مهرجان حقيقى .

وحينما طُرح الفيلم جماهيريًا حققَ نجاحًا تجاريًا ساحقًا مما يدعونا لتأمل تلك المعجزة.

طوال عمر السينما المصرية وحتى الآن لدينا مفهموم سخيف عن الجمهور والمهرجانات ، هناك دومًا صراع بين المهرجانات وبين الجمهور، وهو ما يتبناه الفنان المصرى منذ بدأ الخليقة السنيمائية، كأنّه صراع بين الثقافة والغوغائية دون أن يبذل أدنى جهد ليسأل نفسه سؤال واحد بسيط :

فيلم-سواق-الاتوبيس
فيلم-سواق-الاتوبيس

لماذا تلك الأزمة هنا فقط فى مصر؟

لماذا ما تكون جوائز الأوسكار غالبًا لأفلام تحقق أعلى الأيرادات فى شباك التذاكر؟ هل الفنان الأمريكى أكثر عبقرية وتألق من الفنان المصرى بحيث يستطيع حل تلك المعضلة؟

جاء عاطف الطيب بهذا الفيلم ليقدم الجواب الناجع ويحل تلك الأزمة عبر إخراج فيلم يحصد العديد من الجوائز ويحقق الشعبية الجماهيرية فى ذات الوقت .

كان جوابه يتمثل فى إتقان جوانب (الصناعة) من حبكة درامية منطقية و أداء متألق للممثلين وبراعة للتصوير والديكور إلى آخره . وهذا ما يهم النقاد ومحكمون المهرجانات ، وقدم خلال هذا الإتقان فيلمًا يصوغ قصة شديدة الإنسانية تمس قلب كل مشاهد فى أي زمان ومكان.

إن الفكرة الأساسية للفيلم هى إنسانية بحتة، سبق تناولها ف العديد من الملاحم العالمية وهى باختصار:

أسرة بسيطة يصاب عائلها بانكسار ما ، مما يهدد بنهايته ونهاية تلك الأسرة كلها من بعده وسلوك الأبناء تجاه هذا الموقف بكل التمزق والاستسلام والأنانية الذى يساعد على انهيار هذه الأسرة لولا صمود فرد واحد مازال يحمل قيم الأسرة القديمة ويجاهد لمقاومة هذا الأنهيار.

هذا الخط الدرامى ينطبق على تركيبة أي أسرة فى أي مجتمع، قصة قابلة للحدوث فى أي زمان وأي مكان.

العبقرية المطلقة لهذا الفيلم تتجلى فى انحيازه لقالب الواقعية الاجتماعية لتناول تلك القصة الإنسانية ، فكل أماكن الأحداث تقليدية للغاية نعرفها ونحيا فيها ونحفظ تضاريسها، كل أبطال العمل أشخاص نلتقى بهم فى حياتنا اليومية يتحدون لغة نفهمها ويناقشون مشكلات تمس حيواتنا جميعًا ، نستشعرُ ذات العبء الملقى على كاهل (حسن سلطان) وكأنه على كواهلنا جميعًا.

إن الفيلم يتحدث عن واقع نحياه يوميًا ولا نلتفت له لانغلاقنا على ذواتنا.

الفيلم يرصد ما خفى عنا فى هذا الواقع بوعى ومرارة وصدق بعيدًا عن أي خطابة أو افتعال أو مبالغة.

فنجد (حسن) شاب مصرى عادى جدًا متوسط التعليم ، حارب فى أكتوبر كآلاف غيره وعاد لكسب رزقه بالوسيلة الوحيدة المتاحة لأمثاله، بأن يكون سائقًا لأتوبيس نقل عام ، ومتزوج من فتاة تحبه ويحبها ولديهما طفل وحيد ( هذه الفتاة كان أنتزعها من زيجة أفضل عبر عريس عائد من الخارج محملاً بالثروة).

تبدو كل مشكلة (حسن) فى أنه يعمل عمل إضافي لتحسين الدخل بكونه سائقًا لتاكسى أشتراه بنقود زوجته، وزميله الكمسري الشاب (الضيف) الذى يلح عليه فى طلب يد أخته الصغرى التى مازالت (تلميذة) والتى فى ذات الوقت يريد أن يشتريها عجوز ثري هو تاجر مخدرات سابق.

سواق الأتوبيس.

 

 

 

من هذه النافذة الضيقة يخرج بنا (حسن) إلى المأساة الأرحب إنسانياً حينما يكتشف بالصدفة أن أباه صاحب ورشة الأخشاب العجوز المريض مهدد بفقدان الورشة التى هى حصاد عمره بسبب ضرائب متراكمة قيمتها 20 ألف جنيه ، بعد أن ترك إدراة الورشة لزوج إحدى بناته الأربع الذى بدد عائدها ولم يوف الضرائب المستحقة فى أوقاتها. هذه الورشة فى هذا الزمن هى رمز للصناعة المصرية الأصيلة التى تنهار أمام كل ما هو مستورد ، جاهز ، أجنبي ، رديء الصنع.

هنا يصبح الأب (المعلم سلطان) رمزًا لمجتمع كامل وليس مجرد صاحب ورشة نجارة؛ ولأن حسن هو ضمير هذة الأسرة ، رمز للشباب المصرى الذى أنصهر فى حرب أكتوبر ودفع كل حياته ليخرج من بعدها لا حصل على شيء فهو يدافع عن كل ما حارب من أجله وتصبح الورشة هى الوطن الحقيقى الذى يدافع عن بقاءه أمام الغزو الاستهلاكى. يتألق بشير الديك عبر هذا السيناريو بعيدًا عن الخطابة وبسلاسة تامة ليوضح مأساة هذا الجيل بمنتهى الذكاء.

فحسن يجاهد ضد بيع الورشة ويتفاوض مع الضرائب على دفع نصف المبلغ مؤقتاً لمنع بيع الورشة فى المزاد . وفى نفس الوقت الذى تدور فيه الملايين فى سوق صفقات وهمية مستفزة يصبح تدبير عشرة آلاف جنيها لإنقاذ ورشة صناعية ضربًا من المستحيل! حيث يخرج حسن فى رحلة طويلة يطوف بها على بيوت شقيقاته لمساعدته فى تدبير المبلغ.

ويوضح لنا السيناريو بذكاء مستتر أن الشقيقات تزوجن بصعاليك بدأوا حياتهم بنقود أبيها ، إلا أنهم كانوا أكثر ذكاءً وفهمًا لقواعد اللعبة الجديدة (القذرة). فأحدهم تاجر انفتاح (سجاير أجنبى وسفن آب) فى بورسعيد لا يقدم لحسن سوى (غدوة سمك) ، ومنها يخرج حسن لدمياط للأخت الثانية (الحاجة) المتزوجة من (الحاج تابعى) الذى يستمع لتفاصيل المحنة من حسن ولا يهتم سوى بالإنقضاض على البيت والورشة لشراءهما بثمن بخس قبل أن يلحق بموعد الصلاة!

ويستمر حسن فى المقاومة ويصدم حتى أمام الحلول البديلة التى يطرحها باقى أفراد الأسرة المستسلمون للهزيمة مثل أن تتزوج الأخت الصغرى من تاجر المخدرات الذى سينقذهم بأمواله من الإفلاس والتشريد ، وكما تحولت الورشة إلى رمز للوطن تتحول الأخت الصغرى إلى رمز للمستقبل المهدد بالضياع فيصرخ حسن فى وجه الجميع :

” الورشة مش هتتباع ، وكوثر مش هتتجوز أبو عميرة “

وهى أهم صيحات المقاومة على الإطلاق بدون إى مبالغة ولا خطابة ، ويخرج حسن ليستأنف رحلة البحث عن منجى لكنه  يواجه بإخفاق آخر على مستوى الحب فى زمن توحش المادة .

يفجع حسن حين يجد زوجته تضع بيع التاكسى الذى اشترى بنقودها مقابل الطلاق ، فالحب ذاته لا يسوى عن الزوجة / الحبيبة خمسة آلاف جنيه . الزوجة التى لازالت تغريها الأم برفاهية الحياة التى تنازلت عنها من أجل (حسن).

وتأتى المبادرة والتضحية الوحيدة من الأخت التى تعمل بالخليج وتقدم مدخراتها هى وزوجها التى كانوا يريدون بها شراء شقة بثمن غربتهما.

زوجها الشاب الذى كان زميلاً لحسن نفسه فى الحرب ، واحد من (شلة القراوانة) الجيل الذى عاد ليتغرب عن وطنه أو يعمل جارسونا داخله ويقف عاجزاً يراقب بمراره ثمرة ما بذله من دم . وكأنّ هذا الجيل مازال مستمرًا فى دفع الثمن وحده دون المطالبة بشئ تكون المساعدة الوحيدة الممنوحة من قبله.

وفى مشهد من أروع مشاهد السينما يلتقى حسن بأصدقاء الحرب تحت سفح الهرم فى ضوء الفجر على خلفية لحن ” قوم يا مصرى ” من وراء غيمة تثير الشجن لدرجة البكاء ولكنها تحث على الاستيقاظ من الغفلة فى ذات الوقت!

إن رحلة (حسن) تنتهى بموت الأب وضياع الورشة الذى كان حتمياً أمام كل هذه الظروف ، تنتهى الرحلة البائسة بعدما تتكشف لـ (حسن) الفجيعة الكبرى ، وهى أن كل شئ تغير وإن الشقيقات بعن أبيهن ثمناً لعلاقات جديدة وحشية.

ولإن حسن نفسه كان مسؤلاً حين سكت وهو يرى نشالاً يسرق راكبًا فى الأتوبيس فى أول الفيلم ، إلا أن الأمر أصبح شخصياً الأن فنجده يطارد النشال الأخر الذى فعل نفس الشئ فى آخر الفيلم وينهال عليه ضربًا وهو يصرخ فى لحظة وعى وتحول ” ياولاد الكلب”.

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى