التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

خالد عبد العزيز يكتب: بلاد الفرنجة ثنائية الحيرة والحرية

كتب:  خالد عبد العزيز

خالد عبد العزيز
خالد عبد العزيز

 

 

 

بلاد الفرنجة عنوان الرواية الأحدث للكاتب عادل أسعد الميرى، و الصادرة عن دار أفاق للنشر والتوزيع، وتقع فى 166 صفحة من القطع المتوسط . و بغلاف جميل للغاية و مُعبر عن العمل، رغم أن الدار لم تضع اسم مُصمم الغلاف و أكتفت باسم الدار .

بداية الرواية مُشوقة و تجذب القارئ لعوالم الرواية و مما يُسهل القراءة أيضًا لغة الميرى البسيطة البعيدة عن أى تكلف لغوى لا طائل من وراءه ؛ فجاءت لغة العمل سلسة . المشهد الافتتاحي للرواية الذى يُصور شجار بين بطل الرواية و أحد الأفارقة الذين تَعج بهم فرنسا . فالراوي نصف عربي نصف فرنسي، أمه الجزائرية التى عَلمته العربية و حببت إليه القراءة وشغف الاكتشاف ، كان لها أثر واضح عليه على عكس أبيه الذى لا يتعدى أثره عيناه الزرقاوتان .

الرواية عبارة عن سرد لمُذكرات ستيفان كامل النصف عربي– النصف أوربي ، يُعانى البطل من أزمة هوية، حائر بين نصفيه، لكنه يستمتع بحريته ويعيش على هواه ،دون أى قيود تحده، فتقبل العديد من الثقافات والفنون، في إشارة إلي أن الحرية والثقافة مُتلازمتان . فنجده أحيانًا يُجاهر بعروبته و يفتخر بها ، على سبيل المثال عند مُقابلته للعرب وزيارته لمصر، و أحيانًا أخرى يخفي عروبته و يُظهر الجانب الغربي فيه .

يروي ستيفان ذكرياته المُتشعبة دون رابط مُحدد أو تسلسل زمني يربط الأحداث ببعضها البعض، و لعل هذا التُخبط مقصود من الكاتب وذلك لايضاح حالة الراوي الغير مُتزنة بسبب الكحول كما ذكر . فمثلا : فى فصول نجد الراوي يسرد ذكرياته مع والدته و ما عانته مع والده الذى هجرها فى أواخر أيامها . المُفترض أن يستكمل الحكي فى الفصل التالي، لكنه يعرج لمنطقة أخرى و زمن مُغاير . و هذه الطريقة مُحفزة للقارئ ليستمر فى القراءة ليستكشف المزيد من الحكايات .

يبدو الميري مهمومًا بإشكاليات الحياة و الموت و الحيرة بين العقائد المُختلفة، فالبطل حائر أو بالأحرى لا تهمه المسائل البالغة التعقيد مثل الدين و أى منهما يختار . فنجده يدرس فى السربوُن دراسات حرة فى العقائد و الأساطير القديمة . كما أن الراوي يود أن ينهي حياته بنفسه دون أن ينتظر أنتهائها، فيختار الطريقة المُناسبة له بإلقاء نفسه من طابق عالٍ ، وتنتابه هذه الرغبة تحديدا ً بعد أصابته بالأيدز .

الرواية مليئة بالمعلومات الثرية عن الفن التشكيلي و السينما و الثقافة عمومًا ، بالإضافة إلى معلومات عن الاحتلال الفرنسي للجزائر  وبما أن الرواية تحتمل كل هذا، فجاء السرد مُطعم بشذرات بالغة الجمال ، أضافت للنص بُعدا ً جماليا ً أخر . و عن هذه النقطة تحديدا ً يقول الميرى فى حوار له : ” ستيفان كامل إنسان مثقف يقرأ الجرائد منذ طفولته، بالعربية والفرنسية، وقد عرفت فى الحقيقة شخصا تنطبق عليه فعلا حالة البطل فى هذه الرواية، وهو عاصر فترات متتالية منذ ديجول فى طفولته إلى ميتران فى شبابه، ثم شيراك وساركوزي، وذكرت الرواية العديد من المواقف المختلفة لكل هؤلاء، تتعلق فى مجملها بالشباب بشكل عام والشباب الجزائرى بشكل خاص. واستعملت أيضا فى هذه الرواية بعض المعلومات التى حصلت عليها من قراءة روايات جزائرية، عن الاستقلال فى الستينيات بين فترتى حكم بن بيللا و هوّارى بومدين، ثم يأتى بعد ذلك الشاذلى بن جديد، وبداية مرحلة الصراع المسلح فى التسعينيات. كذلك كان من مصادر معلوماتى مشاهدة أفلام فرنسية عن معاناة الشباب المغاربي من عنصرية الحياة فى فرنسا ، وعناستعدادالمجتمعالفرنسىالدائملتوجيهاللومإليهم،رغمأنهمفىأحيانكثيرةيكونونبينالضحايا ”

ستيفان كامل رغم أنه طبيعي من الناحية الجنسية إلا أنه يُصاب بالمثلية ، و الشئ يُحير الراوي قابليته للطرفين . وهذا يُحلنا للمشاهد الخاصة بالتعبير أو وصف الراوي لمشاعره ورغباته المثلية أو حتى للفعل ذاته ، جاء السرد فى هذه النقطة بالغ الرهافة دون أن يجرح القارئ أو يكون المشهد مُبتذلا ً .

أغلب حياة ستيفان كانت داخل قرية العراه ، كان يقضي أغلب وقته عاريا ً واضعا ً عُقدا ً حول عنقه و مانيكر على أصابع قدميه ، في أشارة واضحة لمثليته دون أن يعبأ بأحد أو يكترث به الأخرون ، كأنه أراد أن يتحرر من كل التقاليد التي تُحد حريته أو الأعلان عن رغباته .

فى الفصل ( 58 ) يسرد الراوي أنه كان فى القطار و أمامه فتاة مغربية تتحدث أحيانا ً بالعربية و أحيانا ً بالأنجليزية و الأغلب بالفرنسية فى أشارة الى تَعدد علاقتها ، ثم قبل نهاية الخط فى واترلو تضع الفتاة أحمر الشفاه و تتأكد من بريقه أمام زجاج النافذة ، ثم تخلع بلوزتها و ترتدى واحدة أخرى . المُلفت هنا ليس أن الفتاة مُتعددة العلاقات أو أنها أوشكت على الوصول إلى محطتها ، لكن أن الفتاة خلعت بلوزتها دون أن يدرى بها أحد ، و أرتدت أخرى وكأن شيئا ً لم يكن . لذا يُخبرنا في نهاية الفصل بأن من أراد أن يصف أوربا بجملة واحدة يصفها بالأتي  :

” البلاد التي تخلع فيها الفتاه بلوزتها في قطار به عشرات الرجال ولا يلتفت اليها أحد حتى لو كانت دون مشد صدر كما كان حال تلك الفتاة المغربية ”

هذه الفقرة فيها تهكم واضح على حال العرب و المصريين تحديدًا ، و ماتعانيه المرأة من تعدي صارخ عليها و أنتهاك لحريتها المنتقصة أصلا ً .

االرواية مليئة بالعديد من الأحداث العذبة ، التى لا يمل القارئ من قراءتها . و مُشوقة كفاية و ممتعة لتجذب القارئ لشركها .

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. أحد أجمل التعليقات على هذه الرواية. شكرا لخالد عبد العزيز كاتب المقال. كذلك شكرا لسامح فايز رئيس تحرير الموقع