التخطي إلى شريط الأدوات
ملفات

لماذا نكتب؟

كتب: أشرف العشماوي

 

الكتابة سر الحياة ..

من أجل لحظة دهشة، تفكير، تأمل، نظرة إعجاب في عيني قارئ، كلمات مديح من قلم ناقد، عرض جيد لروايتي من صحفي مخضرم، إشادة من صديق، حضور قراء لندوتي ومناقشتي فيما كتبته، كل ذلك يَبث في الروح  مرة أخرى، يدفعني للمزيد من الكتابة، ومضات سريعة يتسارع فيها الزمن وينشط بهمة عندما أفوز بجائزة، بعدها يسود سكون العزلة مرة أخرى، يعود الزمان بطيئًا كسولًا متراخيًا، أعود لعزلتي الاختيارية، أجلس أمام أوراقي البيضاء، أخلق شخصيات، أجدها تتحرك أماميّ، دبت فيها الروح فجأة، بعثت فيها الحياة  في لحظة فارقة لا أدركها إلا بعد تمامها، صارت تتكلم الآن وتحاورني، قطعت الآن نصف المسافة في مشوار كتابة رواية شغلتني فانسقت خلفها لاهثًا أدون وأسرد وأتخيل حتى أضمها جميعًا بين دفتي كتاب لتبدأ دورة حياة جديدة قد تستنزف مني عامين أو يزيد…

أكتب لاستمتع بحياتي أكثر، أصطحب القارئ إلى عوالم مختلفة غامضة، متخيلة أو حتى واقعية على أجنحة الخيال، أنشد الكمال ولا أدركه دومًا، كلما تنوعت عوالم كتاباتي تضاعف المريدون، امتاع القارئ هدف نبيل يستحق عناء الكتابة وتحمل عزلتها التي تفرضها على من دخلوا محرابها وهم يدركون بأنهم سيتحولون رغما عنهم  إلى رهبان في عالم لا يحتمل الزيف أبدًا، إن كانوا صادقين.

عندما كنت أقدم نفسي كقاص كنت أثير الفضول، الآن الأمر اختلف، هناك دهشة واعجاب وأحيانًا إنبهار، كثيرون يتعرفون عليّ، يقولون أنت الروائي فلان نحن قرأنا لك وأعجبتنا روايتك، بعضهم يدخل معي في مناقشة سريعة، هذا يسعدني ويرضي غروري، يدفعني لمواصلة مشوار الكتابة بحماس أكثر، أقول لنفسي أنت على الطريق الصحيح، وربما كان ذلك أحد أسبابي الرئيسية لرفض منصب محافظ من عامين، أنا فخور بكوني روائي..

بدأت الكتابة منذ سنوات بعيدة في منتصف التسعينيات بلا سبب محدد وقتها غير أنني وجدتها وسيلة مُثلى للتعبير عن أفكاري لتداولها مع آخرين، لنقل أحاسيس ومشاعر وأفكار تموج برأسي، لكنني لم أجرؤ على النشر وقتها، خفت من القارئ حتى تبددت مخاوفي بتشجيع من الكاتب أنيس منصور قبل الثورة بعام واحد فقط، أنا أتبادل مساحات من التخيل والحكي والتفكير مع قارئي فهو شريكي في عملية الإبداع، أترك له مسافة كافية يتحرك فيها وأصول وأجول في مساحتي، استفز تفكيره وأحرضه عليه أكثر، أثير متعته الأدبية بالحكي والسرد والكثير من الخيال الممزوج بالواقع ليرى أمامه خليط عجيب أحرص دومًا على دهشته به، خاصةً دهشة البدايات..

أدركتُ مبكرًا أنني أجيد الكتابة أكثر من الخطابة ربما لا أكون مفوهًا بما يكفي لجذب انتباه الناس لكنني الآن أدرك بأن الله منحني مقدرة على التعبير من خلال سطور كتاباتي وأتمنى أن أكون عند حسن ظن قارئي، هناك دومًا دافع سياسي لدى كل كاتب لابد وأن يظهر بكتاباته رغمًا عنه، كلنا يكتب من أجل إيقاظ الوعي لكن الطرق تختلف.

أكتب لقارئ مجهول لا أعرفه ولا استهدف فئة عمرية معينة ولا أظن أنني سأفعل، أنا أستطيع أن أخاطب الجميع  قد يكون قارئي شابًا أو كهلًا أو شيخًا أو امرأة عجوز أو فتاة جميلة شابة لم تقرأ كتابًا من قبل، أنا أستخدم لغة سلسة بسيطة بعيدًا عن التقعر والمفردات المهجورة ولا أتعالى أبدًا على قارئي وأزعم أنني مازلت أتعلم كل يوم.

أكتب ولا تشغلني مبيعات كتبي كثيرًا، إنما يؤرقني رأي القارئ فيما سطرته، أتمنى الوصول لكل بيت فيكون لي قارئ به، تبقى دومًا الكتابة لعبة مثيرة، ممتعة، كلنا يبحث عن الخلود والكتابة إحدى وسائلنا، الروائي الحقيقي لا يموت أبدًا فالكتابة سر الحياة..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى